حسان الزين

إنتقاد اللبنانيين و"الأمر الواقع" وتجاوز القانون والمؤسّسات

"مرحبا دولة": نقد قاسٍ وخروج من "بيئة الحزب"

3 شباط 2024

02 : 04

"مرحبا دولة" كوميديا تدفع إلى التفكير

تفتح سلسلة «مرحبا دولة» للكاتب والمخرج محمد الدايخ جبهات الحرب كلّها على الفساد. فهي لا تكتفي، كما يوحي عنوانها، بالدولة عموماً وبقوى الأمن الداخلي (الدرك) خصوصاً، بل يشمل نقدها المجتمع (الأهلي والمدني) أيضاً. فاللبنانيون واللبنانيّات كافة، سواء أكانوا سياسيين أم موظفين رسميين أم مواطنين «عاديين»، مشاركون، في السلسلة، في الفساد وهلهلة الدولة والاستخفاف بها وبالدستور والقوانين والمؤسّسات، وبالقيم والأخلاق، والوطنية أيضاً. والكل يقول «مرحبا دولة»، بكل ما تحمله الكلمة من معاني المفاجأة بوجودها وقلّة احترامها وتقديرها، وكذلك إبعادها وطردها ورفسها، وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من فداحة المصيبة والانحدار اللذين «تقول» السلسلة بأسلوب كوميدي نقدي إن لبنان وصل إليهما، إلا أن ثمة مفاجأة من تحرّك وزارة الداخلية قضائيّاً ضد السلسلة. وليس مصدر المفاجأة من «انتفاضة» الوزارة لـ»كرامتها». فهذا الأمر يؤكد أن «الدولة» ما زالت تحت تأثير عقيدة قديمة ترى أن «الدولة هيبة». وهذه العقيدة، التي كان يعتبرها الرئيس فؤاد شهاب من الموروث العثماني، تنظر إلى الدولة باعتبارها «بقرة حلوباً» يتصارع اللبنانيون لتسخيرها وذبحها.

وكذلك، ليس مصدر المفاجأة من «انتفاضة» الداخلية سعيها إلى فرض رقابة على الإعلام والفنون، في هذا الزمن. فهذا نهج ما زال يستخدمه «أهل الحل والربط» في البلد عند حاجتهم إلى ذلك. والحاجة الآن قائمة، في ظل الإفلات من العقاب وتعليق الدستور وخرق القوانين... والفوضى بشكل عام. وهو ما يجعل مَن «ينتفضون» لحماية الدولة وبسط هيبتها ينسون، من ضمن أمور كثيرة، أن سلسلة «مرحبا دولة» ليست العمل التلفزيوني، والفني عموماً، الوحيد والأول الذي يتناول «الدولة» بالنقد، ويصوّر رجال الأمن والفساد واستغلال السلطة وخرق القوانين. فهناك أعمال كثيرة، لبنانية وعربية عُرضت وتُعرض على الشاشات اللبنانية، فعلت الأمر نفسه، وأبكت المشاهدين أو أضحكتهم، ولم يُحرَّك تجاهها ساكن. ما يشير، مع التحرك ضد «مرحبا دولة»، إلى وجود استنسابية، ويطرح تساؤلات عديدة.

مصدر المفاجأة هو أن الداخليّة، ومعها «المجلس الوطني للإعلام»، لم يشاهدا «مرحبا دولة» بموضوعية وواقعية وهدوء وتأنٍّ. وهذا كان مطلوباً منهما أكثر مما هو متوقّع منهما. ومن الموضوعية والواقعية رؤية النقد الواسع والمتعدّد الذي تمارسه السلسلة للبنانيين واللبنانيات كافة. وذلك ليس للتخفيف من حدّة النقد الموجّه إلى الدولة وموظفي مؤسسة الأمن، على قاعدة أنه «عندما يرى المرء مصيبة غيره تهون مصيبته»، وإنما لفهم ذاك النقد ببعده الوطني، الاجتماعي والسياسي والثقافي. لكنّ المنتفضين، إضافة إلى تسرّعهم بعد حلقة واحدة من السلسلة، اختاروا الدفاع عن «الذات» بدلاً من الذهاب إلى المعالجة الوطنية. وبدلاً من تحليل النقد وقراءة الوضع اللبناني العام، وفحص الدولة ومؤسساتها وموظفيها، إختاروا الهيبة والرقابة مستخدمين شعارات أخلاقية ووطنية.



يُطوّر محمد الدايخ تجربته الخاصة



وفي مقابل اتخاذ الداخلية والمجلس موقع السلطة، لا بد من لفت الانتباه إلى أن سلسلة «مرحبا دولة» لا تقف في موقع الشعب، ولا في موقع المنتفضين على النظام وقوى السلطة وسياساتها، في 17 تشرين الأول 2019. سلسلة «مرحبا دولة» ترسم لنفسها موقعاً - موقفاً خاصّاً. وهذا الموقع هو موقع التحسر على دولة القانون والمؤسّسات. وهذا الموقع لا يرى أن رجال الأمن، والسياسيين، وحدهم من يدّمر الدولة ويسيء إليها، بل إن اللبنانيين كافة فعلوا ذلك ويواصلون نشاطهم. والدافع إلى ذلك عطبٌ ثقافيٌّ وأخلاقيٌّ، وليس سياسيّاً أو سلوكيّاً فحسب.

وفي هذا الاتجاه، تدوزن سلسلة «مرحبا دولة» أحداث حلقاتها والشخصيّات والأدوار. فعنصر الأمن، ذكراً وأنثى، ليس شرّيراً وفاسداً طوال الوقت، بل تصوّر السلسلة «الجوانب الإنسانية»، سواء أكان في الشخصيّات أم في الأحداث. فهو أولاً وأخيراً، وفق رؤية «مرحبا دولة»، جزء من الشعب. والشعب، أو الشخصيّات التي تمثله في السلسلة، مثل رجال الأمن: خارج القانون وضد الدولة. ورسالة «مرحبا دولة» هذه لا تظهر في أحداث الحلقات والتمثيل والشخصيّات فحسب، بل كثيراً ما تُقال بشكل مباشر عبر توجه الممثلين إلى المُشاهد مباشرة ووجوههم إلى الكاميرا. ويبدو أن خرق أجواء التمثيل هذه، أي مشاهد التوجه المباشر إلى المشاهد - الكاميرا، لتوضيح رسالة «مرحبا دولة» من جهة، وللدوزنة السياسية للسلسلة التي توزّع مسؤولية الانحدار إلى اللبنانيين كافة، سواء أكانوا مواطنين أم موظفين رسميين أم قوى سياسية.

ومن الموقع هذا، وفي سياق الدوزنة السياسية، تقول «مرحبا دولة» إن السلطة ليست في يد الدولة وجهاز أمنها، إنّما في يد «الأمر الواقع» والفوضى. وهذا «الأمر الواقع» والفوضى، وهو فوق الدولة، هو المتنفّذون في المؤسّسات والشعب وقوى الفساد والنهب. أما حضور القوى السياسية، ههنا، فمن خلال الأمر الواقع والفوضى والتنفّذ والمافيوية وتجاوز الدولة والقوانين، وليس من خلال مواقفها السياسية المباشرة.

وهنا، يُلاحظ أن «مرحبا دولة» تخرج من «بيئة حزب الله وحركة أمل»، إلى المجتمع والدولة اللبنانيين. وفي هذا اختلاف عن معظم أعمال الدايخ ورفاقه.

الأكيد، أن «مرحبا دولة» قاسية، لكن ذلك من تعريتها المجتمع - الدولة. وإذ تتناول موضوعاً عامّاً ومهماً وحساساً وخطيراً، هو ثقافة الشعب وقيمه وسلوكيّاته، تنقل ذلك بسخرية وبـ»لغة الشارع» وفق لبنانيين، أو بطريقة «فجة واقعية»، بحسب زياد الرحباني الذي يحضر مع موسيقاه في السلسلة كمزاج لا كتقليد.

ولا بد من الإشارة إلى حيوية رادارات «مرحبا دولة» في رصد ظواهر في المجتمع اللبناني، وسرعة البديهة الكوميدية (السوداء أحيانا) في النص ولدى الممثلين.

فراس حاطوم: تجربة جديدة وأعمق

يعتبر فراس حاطوم، منتج «مرحبا دولة»، أن السلسلة «تضيء على الشوائب في المجتمع اللبناني». وانطلاقاً من هذا، تتناول «العلاقة الملتبسة بين المواطنين وبين الدولة عموماً والدرك خصوصاً». وإذ يشدّد حاطوم على أن «عناصر المؤسسات الأمنية هم من الشعب»، يلفت إلى أن «الغاية ليست الانتقاص من أحد، وإنما معالجة المشاكل». ويشير إلى أن «مرحبا دولة» التي «تصوّر عناصر الأمن كجزء من المجتمع اللبناني وظروفه وثقافته، تصوّر أيضاً اللبنانيين واللبنانيات كشركاء في الأخطاء».

ويرى حاطوم أن «مرحبا دولة» «تعالج الموضوعات بعمق»، لافتاً إلى الفارق بينها، كسلسلة «سيتكوم»، وبين الاسكتشات الساخرة، خصوصاً التي قدّمها محمد الدايخ وحسين قاووق ورفاقهما.

والسلسلة الجديدة، وفق حاطوم، لا تكتفي بالإضحاك بل تجعل المشاهد يفكر، بينما الاسكتشات (كانت) تقوم على عنصري الكوميديا والسخرية المباشرتين. والسلسلة الجديدة لا تقدّم شخصيّات نمطية بل شخصيّاتها مركّبة تصوغ وتظهّر نفسها خلال الأحداث وبأداء الممثلين تحت إدارة المخرج والكاتب». ويكشف أن الدايخ، الكاتب والمخرج، «شديد العناية في ذلك، ويدير عمله باحتراف، وهو يطوّر تجربته».

ويعتقد حاطوم أن ما يجمع «مرحبا دولة» وبرنامج «تعا قللو بيزعل»، الذي أنتجه أيضاً، «يكاد يقتصر على أسلوب توصيل الفكرة أو اللطشة».

ويكشف أن إدارة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» كانت متحمّسة لموسم ثانٍ من «تعا قللو بيزعل» لكونه «حقّق نجاحاً»، لكن الدايخ «أحس بأن التجربة استنفدت نفسها، وأحب أن يجدد ويقدّم عملاً أعمق ويحمل رسالة. ما أقنعني ودفعني إلى خوض التجربة».

وفيما تتابع وزارة الداخلية الدعوى على «مرحبا دولة»، يتواصل عرضها كل خميس عند الثامنة والنصف ليلاً.