دخل لبنان اليوم في ديناميّة جديدة أطلقتها بكركي بطرحها مشروع الحياد الطبيعي الفاعل والايجابي. لكن الاشكاليّة الكبرى في هذا المشروع تكمن في تحقيق الاجماع حوله، لأنّ تجارب التّاريخ علّمتنا في لبنان أنّ أيّ قانون أو حتّى مبدأ يفرض فرضاً، بقوّة واقع إقليمي أو دوليّ أو بقوّة سلاح محلي، عند زوال الذي فرض هذا الواقع سيزول معه حتماً ما فرضه. فهل ستستطيع بكركي تحقيق الاجماع اللبناني حول طرحها؟ أم أنّ هذا الطرح ولد ميتاً، أو أماتوه قبل ولادته؟
ممّا لا شكّ فيه أن الواقع الذي وصل إليه لبنان اليوم، فرض صدمة إيجابيّة لتجاوزه. وكعادتها تتدخّل بكركي عند المفاصل التّاريخيّة، من دون أن تغوص في متاهات السياسة الضيّقة لتحقّق التغيير المنشود. والمشكلة اليوم تحدّدت في تجاوز الكيانيّة اللبنانيّة لحساب أيديولوجيّة دينيّة، استطاعت مع الزّمن أن تخلق رديفاً لها في صلب التركيبة اللبنانيّة تمهيداً لتغييرها. من هذا المنطلق أتى تدخّل بكركي لاستعادة الهويّة اللبنانيّة الكيانيّة التي سقطت فعليّاً بعد تسلّم "حزب الله" مقاليد السلطة في لبنان.
فبعد صدور مواقف ترحيبيّة بطرح الحياد من المجموعات الحضاريّة المتعدّدة في لبنان، طالعنا أحد الدائرين في الفلك الايراني بهجوم غير أخلاقيّ على بكركي وسيّدها. عكس بكلّ صراحة موقف "حزب الله" الذي بات واضحاً. ومن البديهي أن يرفض "الحزب" طرح الحياد لأنّه يرجعه إلى صلب الكيانيّة اللبنانيّة التي أخرج نفسه بنفسه منها نتيجة لتموضعاته الاستراتيجيّة في المنطقة. لكنّ ذلك سقط على مزابل التّاريخ لأنّ بكركي قالت كلمتها.
من هنا، باتت مهمّة بكركي لبنانيّاً شبه مستحيلة، ما سيدفعها للتوجّه إلى المجتمعين العربي والدّولي. وسيتلقّف هذان المجتمعان ما طرحته بكركي لأنّه الطرح الوحيد في هذه المرحلة الذي يعيد لبنان إلى الحياة. لكنّ الاشكاليّة الكبرى تكمن اليوم في جبهة المواجهة التي سيقودها "حزب الله" ضدّ بكركي، وها بشائرها بدت تلوح في الأفق، لا سيّما بعد الزيارة التي أجراها حلفاء "الحزب" إلى الصرح البطريركي في الديمان. واللافت طرحهم لمبدأ التحييد وليس الحياد.
سياسة الهروب إلى الأمام لن تجدي أيّ نفع. المطلوب اليوم الاعتراف بضرورة التغيير الايجابي. لكنّنا اعتدنا في لبنان على افتعال صدمات عكسيّة عند أيّ مفصل. وفي قراءة بسيطة لردود "حزب الله" على الضربات المتتالية التي يتكبّدها في الساحة السوريّة، يبدو أنّه صار على قاب قوسين من افتعال هذه الصدمة التي قد يحقّقها بردّ مدروس على الضربات التي يتلقّاها تباعاً. وبذلك يحقّق ثلاثة أهداف كالآتي:
1. تثبيت عدم جدوى الحياد مع إسرائيل لأنّها ستدخل في مواجهة مع "الحزب" بعد ردّ الفعل الذي قد يقدم عليه.
2. تعويم حكومة دياب التي ستصبح بحالة تأهّب قصوى لتواكب ردّ فعل "الحزب".
3. تأجيل أيّ ضغوطات دوليّة مفروضة على لبنان كالعقوبات وكالتحقيق المالي الذي تجريه الشركة ذات الصلة مع العدوّ الاسرائيلي.
لقد جنّد "الحزب" قدراته كلّها ليميت طرح بكركي، وستكون حجّته المعتادة بالحرب هي الذريعة لذلك. فيما أنّه لو ساهم في تحقيق الحياد لما كانت ستتمكّن إسرائيل من القيام بأيّ اعتداء، لأنّ لبنان حينها سيكون تحت المظلّة الدّوليّة بشكل كلّي. وهنا تختلف الحالة عن وجود قرارات أمميّة وجب تطبيقها. أمّا بالنسبة إلى الحكومة الحاليّة التي تبحث عن إنجازات صوريّة تحقّقها من كلّ حدب وصوب، فستجد نفسها في موقع المبادر إلى فرض حلّ ما للتخفيف من الأضرار التي قد يتعرّض لها لبنان. وستجد في ذلك فرصة لتعلن ضرورة تفلّتها من العقوبات والضغوطات الدّوليّة.
لكن ما يجب التنبّه إليه أنّ القضيّة اللبنانيّة تمّ تدويلها لا سيّما مع إصرار فريق ترامب على إنهاء الستاتيكو اللبناني المفروض من "حزب الله" قبل الانتخابات القادمة في الولايات المتّحدة. إضافة إلى أنّ أوساط بكركي قد أعلنت في أكثر من مناسبة أنّ البطريرك عازم على نقل المطلب اللبناني إلى المجتمع الدّولي، ما يعني أنّ المواكبة الدّوليّة باتت أمراً واقعاً. فهل سيتمكّن سيّد بكركي من الحفاظ على طرحه حيّاً وفاعلاً في الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى ما بعد إنهاء أصوات النّشاز المرتبطة بالأبعاد الاقليميّة؟ أم أنّ التطوّرات المرتقبة ستسبق الطرح المرتجى؟