الحدث الأبرز هذا الأسبوع هو الإنفجار الذي وقع في مرفأ بيروت. وما يجب التوقّف عنده هو التردّدات السياسية لهذا الحدث. ويبدو، أنّ أعظم هذه التردّدات أتت من خارج لبنان، كما كان مُتوقّعاً، وتحديداً من الأمّ الحنون، فرنسا. لكن تبقى المشكلة الأساسيّة موجودة في لبنان طالما لن تتمّ ترجمة المبادرة الفرنسيّة سياسياً على أرض الواقع. فهل سيستطيع لبنان ترجمة ما طرحه الرئيس الفرنسي في زيارته؟ أم أنّ لهذا الطرح متابعات دولية لإيصاله إلى خواتيمه السياسية سالماً؟
بدا لافتاً ما صرّح به الرئيس الفرنسي حيث قال ما حرفيته: "لم آتِ لأدعم النظام أو الحكومة إنّما لأساعد اللبنانيين. أضمن لكم أنّ هذه المساعدات ستكون على الأرض، ولن توضع في أيدي الفساد؛ ولبنان الحرّ سينهض من جديد. أنا هنا وسأقترح عقداً سياسياً جديداً وسأعود في الأول من أيلول لمتابعته، وإن لم يستمع الي المسؤولون، ستكون هناك مسؤولية أخرى من قبلي تجاه الشعب".
هذا الكلام هو خريطة طريق للمرحلة المُقدم عليها لبنان في الأيام القليلة القادمة، حيث بدا أنّ الرئيس الفرنسي يمثّل تطلّعات المجتمع الدولي بأكمله تجاه لبنان. لقد أعرب الزائر عن عدم ثقته بالنظام أو الحكومة. فالنظام اللبناني فاسد، وفرنسا كما قال، لن تعطي شيكاً على بياض. أمّا الحكومة فهي ساقطة أبريورياً لا سيّما بعد فشلها بالقيام بأيّ إصلاحات. وأبدى ماكرون ثقته بالشّعب اللبناني. من هنا، بدا واضحاً عدم تخلّي المجتمع الدولي بوجه عام، وفرنسا بوجه خاص عن لبنان. وأطلق مبادرة أمام رؤساء الكتل والأحزاب، وأعلن موعد الأوّل من أيلول لمتابعة ما أعلنه في بيروت. أي بناء لبنان الجديد، لكنّ ماكرون شدّد على الحفاظ على الكيانية اللبنانية كما تمّ تثبيتها في الميثاق والوفاق، لأنه ليس هناك وجه للبنان الجديد إلا بهذا الشكل، كما قال.
لقد رسم ماكرون خريطة طريق واضحة لـ"لبنان الحرّ" كما أسماه. وأعلن مرّة جديدة إيمانه بهذا اللبنان إنطلاقاً من الروابط التاريخية التي تجمع البلدين. وتابع خطابه تصاعدياً، مُعلناً بأنّه سيقترح عقداً سياسياً جديداً للبنان. وهنا زبدة الكلام الفرنسي – الأممي. وما بات واضحاً من خلال دعم فرنسا لمواقف البطريركية المارونية، أنّ هذا العقد السياسي الجديد سيقوم على تبنّي ما طالب به البطريرك الراعي، أي إعلان حياد لبنان بعد إعادةِ تثبيتِ استقلالِه ووحدتِه، وتطبيق القرارات الدولية. والمُلفت أنّ تاريخ إعلان لبنان الكبير، قد يكون هو نفسه بعد مئة سنة تاريخ إعلان لبنان المُحايد. فلعلّ هذا هو العقد الإجتماعي الجديد الذي قد اقترحه ماكرون.
ومن المهمّ أيضاً إدراك أنّ أيّ عقد إجتماعي جديد ستنتج عنه سلطة سياسية جديدة لتُدير مقاليد الحكم في البلاد. ما يعني ذلك أنّ هذا العقد سيتضمّن قانوناً انتخابياً جديداً يُحرّر الصوت اللبناني من أيّ قيود طائفية أو مناطقية أو زعاماتية. وهذا يعني أيضاً أنّ الصيغة الإدارية اللبنانية التي تزامنت مع لبنان الكبير، ستتبدّل هي أيضاً لتتماشى مع الحياد الإيجابي الفاعل والناشط. يعني، سنكون أمام لبنان الجديد بكلّ ما للكلمة من معنى. وهذا التغيير وضعه ماكرون بيد اللبنانيين وحدهم.
لقد أثبت ماكرون في زيارته إستقلال لبنان من خلال رفضه لأيّ مظهر من مظاهر تقويض سيادة الدولة اللبنانية تحت أيّ مُسمّى كان. أما الوحدة اللبنانية فهي تجلّت من خلال الكمّ الهائل من التعاطف الوطني مع أهالي بيروت. وكي لا يُفهَم خطأً موقف الرئيس الفرنسي، فهو لا يريد صيغة انتداب جديدة للبنان، مؤكّداً أنّ فرنسا تعمل لتثبيت ثقافة الحرية، فكيف لها أن تعود إلى زمن الإنتداب؟ وكان واضحاً بتوجّهه إلى المسؤولين اللبنانيين؛ فهو لا يريد فرض أيّ شيء بالقوّة على لبنان، وما بدا لافتاً في السياق عينه مدى تفاعل اللبنانيين مع هذه الزيارة، والأكثر، حجم التعاطف الذي أبداه الرئيس الفرنسي مع الناس الذين التقاهم أثناء تفقّده شوارع منطقة الأشرفيّة.
لكنّ الزائر الكريم، بدا صارماً بلهجته حيث اختتم بعبارة شرطيّة عرض فيها بصراحة وجهته في حال رفض المسؤولون اللبنانيّون التجاوب مع مبادرته. فهو قالها من دون مواربة حيث سيتحمّل مسؤوليته تجاه الشّعب اللبناني. ما يُفهَم من كلامه هذا أنّ فرنسا ماضية حتى النهاية في ما صرّح به الرئيس الفرنسي. ففي حال عدم تجاوب المسؤولين، هل سنكون أمام قرارات أممية باقتراح فرنسي، لتُنفَّذ الوعود تحت البند السابع؟