في ثمانينات القرن الماضي وفيما كان العازف العالمي وليد عقل يؤدي واحدة من مقطوعات هايدن في "بيت المستقبل" علا التصفيق. رفع يديه عن البيانو ونظر إلى الجمهور شارحاً أنه توقف لأن الصمت مثل النوتة في القطعة، ولما انتهى من أداء القطعة حل صمت كامل. فتوجه إلى الجمهور ثانية: "صار فيكن تزقفوا". تذكرت تلك الأمسية عندما لفت عمر رحباني قبيل بدء برنامج امسيته مساء الثلثاء أنه سيفتتح السهرة بمقطوعة من ثلاث حركات، طالباً عدم التصفيق إلاّ في نهايتها أو قذفه بالبندورة إن لم يعجبهم ما سمعوه، لكن قسماً من الحاضرين لم يأخذ بكلام الرحباني عمر فصفّق متى أحسّ أنه وصل لذروة الإستحسان.
بدا عمر رحباني (30عاماً) سعيداً بمشاركته الأولى في مهرجانات بيت الدين الدولية فقدم ومجموعة من العازفين الرائعين مختارات بدأها بكونشرتو رقم 1 للبيانو، "وتطلب تأليف وصياغة هذا الكونشرتو ثلاثة أعوام وهو يمزج أنماطاً موسيقية عدة من الكلاسيك إلى الـ"باروك" وموسيقى أنطونيو فيفالدي وإيقاعات هندية Konnakol وبرازيلية مع الحفاظ على الروحانية الشرقية"، كما ذكر لـ "نداء الوطن". وسبق أن قدم الرحباني الشاب "كونشرتو" العام الماضي في الأسامبلي هول ( الجامعة الأميركية) في إطار فعاليات "بيروت ترنّم". في بيت الدين إكتفى بثلاث حركات وإمتاع الحاضرين بخلطة موسيقية وجدت من يترجمها بأفضل عزف. براعة العازفين جميعهم واضحة في تركيبة موسيقية محفوفة بالصعوبة ومشغولة بحرفية عالية.

لا يستطيع عمر ابن غدي ابن منصور الخروج من العباءة الرحبانية مهما تفرّد وتغرّب لكنه يستطيع أن "يجنّ" وهذا ما أقدم عليه عن سابق تصوّر وتصميم في توزيع "تك تك يا ام سليمان" و"على مهلك"... يعرف أن الإرث الرحباني الأول مبهر ومفتاح الدخول إلى أي قلب.
ثلاثون عازفاً ومنشداً بقيادة الجالس إلى البيانو والمستنفر على كل نقرة تشيللو وكل ضربة إيقاع، بمشاركة المغنية فابيان ضاهر، أمتعوا جمهور "الميدان" بأكثر من Medley رحباني، بمقطوعاتٍ موسيقية مثل تانغو المنبثقة من التنوع الفني في منزل غدي، بأغنيات جديدة مثل "يا غابة الشحرور" و"شتي وشمسية"، وحضر الأب في امسية الإبن من خلال "مشوار رايحين مشوار" و"من بين الكل"...وكانت فابيان ضاهر بصوتها القادر والمرن وحضورها الواثق من العلامات الفارقة على المسرح.
كشفت أمسية عمر رحباني، المؤلف والموزع الموسيقي والعازف، عن شخصية فنية تشكل ركناً رحبانياً جديداً ، يكمل ولا ينقض، يجدد ولا يلغي، يؤسس من موروث لا من لا شيء. والأهم إطلالة الرحباني على المسرح العالمي بخصوصية عبر عنها بعمله الأول "باسبور"، وأمس الأول إلتمس من أصغى بكليته إلى تلك الصيغة الموسيقية هلال فنان كبير.