المحامية جوزيان أسعد لحود

البلدية في القانون والواقع

8 دقائق للقراءة

في وقت كثر فيه الكلام عن الفدرالية واللامركزية، كحلول بديلة، لما يعاني اللبنانيون من ازمات بسبب تغييب الدولة والشلل اللاحق بالادارات والمؤسسات والهيئات كافة، لا بد من ان نستحضر "البلدية" التي اضحت في ايامنا هذه شبحا لا لون ولا رائحة ولا نكهة لها.


ولقد نسي السواد الاعظم من اللبنانيين، بالاخص الشباب منهم، دور البلدية في نظامنا الديمقراطي، وما هي صلاحياتها ومهامها، وما الهدف الذي من اجله وُجدت البلدية في المدن والبلدات والقرى، حتى لم نعد نتنبه لوجودها، اللهم الا عند اصدار مراسيم التمديد للمجالس البلدية، تلك المراسيم التي حوّلت البلدية الى مجرد تذكار، وحوّلت المواطن في مدينته وبلدته وقريته الى متخلف يئنّ تحت وطئة نفاياته واّفاته ومشاكله.


فالبلدية هي وجه من وجوه اللامركزية الادارية، لا بل هي تجسيد لفكرة او مبدأ اللامركزية الادارية باعتبارها ادارة محلية منتخبة، تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلالين المادي والاداري، ولها صلاحيات واسعة وشاملة حددها القانون تغطي تقريبا اوسع الميادين ضمن النطاق البلدي. وانّ اتفاق الطائف سنة 1989 وفي اطار دعوته الى تحقيق اللامركزية الادارية، تطرّق الى موضوع البلديات مشيرا الى وجوب تزويدها بالامكانيات المادية اللازمة.


ويمكن تشبيه البلدية بـ"الديموقراطية الادارية"، بمعنى انه من خلالها يتمكّن الافراد من تسيير امورهم وتأمين حاجاتهم وتنظيم بيئتهم وحلّ مشاكلهم.


ويعود انشاء المجالس البلدية في لبنان الى سنة 1877، عندما اجازت السلطة العثمانية بموجب قانون تاريخ 18\4\1877 انشاء تلك المجالس في المدن اللبنانية. غير انّ اول مجلس بلدي انشئ قبل هذا التاريخ، وكان في دير القمر سنة 1864 بموجب كتاب صادر عن المتصرف داود باشا. وقبل ذلك تم تأسيس ما عُرف بمجلس الولاية في بيروت سنة 1833، ما كان يشبه البلدية. اما اول نظام للبلديات فقد صدرعن حاكم لبنان الكبير سنة 1922 وهو مقتبس عن القانون الفرنسي.


ومن الجدير التوقف عند محطة تاريخية هامّة في انشاء وتطور البلدية، هي انعقاد مؤتمر بلدي سنة 1964 في فندق فينيسيا، برعاية وزير الداخلية انذاك تقي الدين الصلح، حضره العديد من الشخصيات السياسية والمحلية الفاعلة، وكان الهدف منه تعزيز اللامركزية الادارية عن طريق تفعيل دور البلدية في الادارة والانماء المناطقي، حيث كان لدى المسؤولين نيّة حقيقية في التوصل الى تحقيق ذلك.


تبع مؤتمر 1964 نشاطات وابحاث ودراسات، نجم عنها صدور المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30\6\1977، هو قانون البلديات الذي طوّر البلدية وادخل تعديلات جوهرية على نظامها. ولاحقا اجريت بعض التعديلات على هذا القانون، لا سيّما بموجب المرسوم رقم 665 تاريخ 29\12\1997، الا انّ التعديلات اللاحقة لم تُقدم ايّ جديد لجهة تعزيز اللامركزية الادارية.


تتألف البلدية من سلطتين، سلطة تقريرية قوامها اعضاء المجلس البلدي بمن فيهم الرئيس، وسلطة تنفيذية متمثلة برئيس البلدية ونائبه (باستثناء بلدية بيروت حيث يتولى المحافظ السلطة التنفيذيّة). ينتخب اعضاء المجلس البلدي الاهالي المسجلون في المحلة (المدينة او البلدة او القرية)، ويحدد القانون عدد الاعضاء نسبة الى عدد الاهالي المسجلين. وينتخب الرئيس ونائبه اعضاء المجلس. وانّ مدة ولاية المجلس البلدي ست سنوات، ويمكن بعد انقضاء ثلاث سنوات سحب الثقة من الرئيس ونائبه بالاكثرية المطلقة من اعضائه. ويمكن حلّ المجلس البلدي بقرار معلل يتخذه مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير الداخلية في حال ارتكابه مخالفات هامة مضرّه بمصلحة البلدية. وتخضع البلدية لرقابة القائمقام والمحافظ ووزير الداخلية، وبالنسبة لبعض البلديات تخضع ايضا لرقابة مجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة.


ومهمة البلدية تأمين مصالح المجموعة المحلية والعمل على رعايتها وحمايتها، علما انّ هذه المصالح تتميّز عن المصالح الوطنية العامة، وفي بعض الاحيان تتضارب معها. وقد منح المشترع المجلس البلدي اختصاصا واسعا وشاملا، بحيث اناط به كل عمل ذي طابع او منفعة عامة ضمن النطاق البلدي، وحدد صلاحياته، لا سيّما صلاحيات رئيسه على وجه التعداد لا الحصر. ومن ضمن هذه الصلاحيات، نذكر كل ما يختص بمشاريع التنمية وحماية البيئة والمناظر الطبيعية والاثار ومنع التلوث واعطاء رخص البناء والاسكان والموافقة على المشاريع ضمن النطاق البلدي وتنظيم النقل وحفظ الامن بواسطة الشرطة البلدية. وبشكل عام انّ للمجلس ورئيسه سلطة اصدار الانظمة في كل المسائل الداخلة ضمن اختصاص البلدية ويكون لها صفة الالزام. وتتخذ قرارات المجلس البلدي بأكثرية اصوات الاعضاء، واذا تعادلت فيرجح صوت الرئيس. ويحق للرئيس ونائبه ان يتقاضيا تعويض تمثيل وانتقال.


ونذكر في هذا السياق ما قاله الدكتور سامي منقاره، الذي كان رئيس بلدية طرابلس، من "انّ المشترع لم يترك امرا الاّ واّثر للادارة المحلية ايّ البلدية ان تمارسه، باستثناء الدفاع والمال والقضاء، لكن المشكلة تكمن في تطبيق النصوص القانونية وليس بالنصوص نفسها".


وفي الواقع انّ الحكومات المتعاقبة دأبت على تعطيل نشاط البلدية والانتقاص من صلاحياتها، ساعية على الدوام الى تحويلها الى امتداد للسلطة المركزية السياسية او صورة مصغّرة عنها. وقد عملت القوى السياسية على تقويض البلدية كونها الوحدة اللامركزية المثلى والنواة الديمقراطية الحقيقية، الاكثر قربا من المواطنين والاكثر معرفة بقضاياهم ومشاكلهم. وبذلك نجحت تلك القوى السياسية في احكام سيطرتها عليهم، وفرض نظامها التحاصصي الفاسد الذي تكرّس في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء وفي كل الادارات والمؤسسات العامة.


امّا تقويض دور البلدية فقد حصل بشكل اساسي عن طريق الاستئثار بماليتها ووضع اليد على عائداتها والتصرّف بها بتحويلها الى بعض المجالس الادارية العامة، كمجلس الخدمة المدنية ومجلس الانماء والاعمار، حتى ليُقال انّ البلدية هي اول من جرى وضع اليد على اموالها ونهبها.


ومالية البلدية تتكوّن من العائدات المعددة في المادة 86 من قانون البلديات وهي: الرسوم التي تستوفيها مباشرة من المكلفين، الرسوم التي تستوفيها الدولة او المصالح المستقلة او المؤسسات العامة لحساب البلديات ويتمّ توزيعها مباشرة لكل بلدية معنية، الرسوم التي تستوفيها الدولة لحساب جميع البلديات، المساعدات والقروض، حاصلات الاملاك البلدية بما في ذلك ايرادات المشاعات، الغرامات والهبات والوصايا. وقد انشىء لدى وزارة الداخلية ما سمّي بالصندوق البلدي المستقلّ ، من اجل ايداع الحاصلات المشتركة العائدة لجميع البلديات ليُصار الى توزيعها على البلديات بموجب مراسيم وفق اسس حددها القانون وتُنشر تلك المراسيم في الجريدة الرسمية.


وفي تسعينيات القرن الفائت، صدرت قرارات عن مجلس الوزراء الزمت البلديات بفتح حسابات خاصة لدى مصرف لبنان وبايداع جميع ايراداتها في الحسابات المذكورة بدون فوائد. كذلك صدر قرار عن مجلس الوزراء الزم البلديات بالاكتتاب بسندات الخزينة. امّا اموال الصندوق البلدي المستقل المؤلفة من العائدات التي تجبيها الدولة لحساب البلديات (مثال الرسوم على الاستيراد والمحروقات والفواتير الاتصالات والخليوي وفواتير المياه والكهرباء)، فقد بقيت محجوزة لسنين طوال، اذ امتنعت الدولة عن توزيعها على البلديات، وتصرّفت بها بأن حوّلتها الى مجلس الانماء والاعمار لتمويل مشاريع. وقد بلغت تلك العائدات ما يساوي ملايين الدولارات علما انها تجبى بالعملة الوطنية ما عرّضها لمخاطر تدني العملة.


وفي اطار تقويض سلطة البلدية، نذكر تحويل بعض صلاحياتها الهامة الى المديرية العامة للتنظيم المدني في مجال التصميم والتنظيم العمراني. كذلك اصدار عدة قوانين تنتقص من عائدات البلدية وحقوقها، مثال الغاء براءة الذمّة البلدية، الامر الذي يسمح للمواطن التهرّب من تسديد الرسوم البلدية المستحقة؛ اصدار اعفاءات لمخالفات البناء او تسويات دون مقابل؛ اصدار قوانين تخفيض الرسوم البلدية والقيّم التأجيرية؛ ومؤخرا تمّ استثناء البلديات واتحاد البلديات من ضمن الهيئات المخوّلة قانونا بقبول الهبات والقروض الخارجية (المادة 7 من قانون الموازنة لسنة 2024).


بالاضافة الى الممارسات اعلاه، نذكر تعطيل الانتخابات البلدية والتمديد للمجالس البلدية لعدة دورات. وقد صدر بتاريخ 25\4\2024 قانون مدد ولاية المجالس البلدية حتى 31\5\2025 ، بحجة انّ وزارة الداخلية غير مؤهلة لوجستيا لاجراء الانتخابات. وانّ قرار التمديد هذا انما سبقه قرار سياسي بعدم اجراء انتخابات بلدية، وهو الموضوع الاوحد الذي غالبا ما تتوافق عليه كل الاطراف السياسية. وانّ قرار التمديد هو حاليا موضوع طعن امام المجلس الدستوري.


اما الحلّ لازمة البلدية، فيكمن في توعية المواطن على اهمية البلدية كالادارة اللامركزية الفضلى، وادراكه لكيفية ممارسة النشاط البلدي الصحيح الذي يفتح له المجال لممارسة الديمقراطية والحرية بشكل مباشر من اجل خير المجموعة وتأمين مصالحها. اما الواقع المرير فهو انّ الموطن ما زال مرتهنا لحفنة من القادة السياسيين يتوارثونه ويتناقلونه على مرّ العهود، وهو ما زال قاصرا عن رعاية شؤون مجتمعه وبيئته ومتلهيا بمنافعه وامواله الشخصية، والتي في نهاية المطاف لم ولن يختلف مصيرها عن مصير منافع واموال البلدية.

[email protected]