سأل النائب إيهاب مطر عبر منصة «إكس»: «أي موت هذا الذي أصاب الفتاة الصغيرة نسرين عز الدين، لتسقط من فجوة داخل باص مدرستها لتلقى حتفها دهساً»؟ والجواب بسيط ومباشر: فهذا الموت هو جريمة قتل موصوفة في رقبة الدولة اللبنانية بمؤسساتها الممعنة في التقاعس عن القيام بواجباتها.
الدولة التي تتباهى بإعلان طرابلس عاصمة للثقافة العربية، وتقيم الاحتفالات، لا تعالج معاناة المدينة وأهلها الرازحين منذ عقود وعقود تحت نير التفقير والحرمان، وتتجاهل ارتفاع نسبة أطفالها الذين لن يحصِّلوا تعليمهم الإلزامي في ظل الأوضاع الحالية المتردية والمرشحة لمزيد من الانهيار، وبينهم أكثر من نصف أطفال عكار والشمال (أي 60 ألفاً)، وهم يتسرّبون من المدارس لأسباب اقتصادية، ويتعرضون لخطر الحوادث والاعتداء والتحرش، وربما الموت بسبب دخولهم المبكر سوق العمل. والمفجع أنّ من يستطيع متابعة تحصيله العلمي من هؤلاء الأطفال معرض «لهذا الموت» كما نسرين، بسبب استخفاف الدولة بحياة المواطنين المتحايلين على الويلات والكوارث فقط للبقاء على قيد الحياة.
بالتالي، كل مسؤول في الدولة هو المجرم الأول، في مجال خدمته واختصاصه وبتراتبية لا ترمي التهم على الصغار وتحمي الكبار، والمفروض محاسبة هؤلاء المسؤولين قبل محاسبة سائق الباص، الذي بالكاد يستطيع تأمين خبزه كفاف يومه، أو صاحب الباص الذي اعتمد طريقة الترقيع ليخفي اهتراء مصدر رزقه، إما لأن العين بصيرة واليد قصيرة، أو لأن أبو زيد خاله ما دام لا أحد يسائله أو يخضعه للقوانين المرعية الإجراء والمتعلقة بسلامة النقل والمركبات كما يحصل أينما كان.
الدولة التي تطل في مواسم متباعدة وتفرد عضلاتها على من تستطيع أن تستقوي عليهم، تحولت مؤسساتها ودوائرها إلى دكاكين فساد وسمسرة بغية تحصيل الرسوم من جيوب البعض الحاضر لتسديد ضرائبه، في حين يستقوي عليها من ينتهك سلطتها علناً لتحقيق مصالحه الخاصة أو مصالح مشغليه، لا يهم. ولا تفيد محاولات الاستلحاق بسطحية تنفيذ القانون الذي لا يُطَبق إلا على الضعفاء، لرفع المسؤولية عن كاهل الدولة. ولن تعيد نسرين إلى حضن أمها مطالبة مدير عام وزارة التربية عماد الأشقر «بالتحقيق الشفاف» بوفاتها، أو اعتبارها «شهيدة مظلومة» لكل لبنان.
لعل المدير العام نسي أنّ جريمة أخرى لا يزال مرتكبها حراً طليقاً كانت قد حصلت قبل عامين في المنطقة ذاتها، عندما انهار سقف داخل «مدرسة الأميركان» الرسمية المختلطة في جبل محسن، ما أدى إلى مقتل شهيدة أخرى لم تتجاوز السادسة عشر ربيعاً. أو لعله تسرع وأغفل إضافة عبارة «هذا قدر»، كما قال في حينه تعليقاً على الحادثة وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال عباس الحلبي، ليضيف أنه «بانتظار نتائج التحقيقات».
والدولة التي تتخلى عن مصادرة سيادتها وتساهم في إفلاس مصارفها ونهب أموال المودعين، وتصمت عن تحول مينائها إلى قنبلة موقوتة طوال سنوات حتى انفجاره، لا يحق لها أساساً أن تحاسب المواطنين المخالفين أو المتسببين بجرائم قتل فردية، في حين تتواطأ مع المتسببين بجرائم قتل جماعية.
وحتى تفهم الدولة بمن فيها أنّ لبنان ليس بحاجة إلى شهداء، وتحديداً من الأطفال، ولكن إلى سيادة ومحاسبة واقتصاص فعلي من المسؤولين المجرمين بصفتهم شركاء موصوفين في مقتل الأبرياء، بسبب تقاعسها عن تأمين السلامة العامة، إن في الأبنية المتهاوية أو في وسائل النقل او الطرق المؤدية إلى الموت. وفي الانتظار، لا عزاء لقتل الأطفال والتحرش بهم والاعتداء عليهم وحرمانهم حقوقهم بالحماية والطبابة والتعليم، وألف ألف لعنة على هكذا دولة.