لوري هايتيان

هل يصبح لبنان جزيرة في قلب العالم العربي؟

10 آب 2019

لبنان لم يدخل "نادي" الدول المنتجة للنفط والغاز بعد، ولكن الحماسة عند اللبنانيين بهذا الخصوص مُبهرة. البعض متحمّس إيجاباً ويرى بهذا القطاع خلاص لبنان، والبعض الآخر متخوّف من التأثيرات السلبية. مهما كانت الآراء يبقى أن هذا القطاع يتطلّب تخطيطاً طويل الأمد والقدرة على إزالة العواقب الجغرافية والسياسية، ويتطلّب من لبنان مواكبة التطورات الحاصلة اقليمياً ودولياً ليتمكن من الاستفادة من القطاع حين يبدأ تدفق النفط والغاز. هناك مستجدات محلية واقليمية ودولية على لبنان التنبّه لها لأنها تؤثّر في القطاع اليوم وفي المستقبل.

المستجدات الداخلية في هذا الملف مرتبطة بجولة التراخيص الثانية حيث عُرضت 5 بلوكات للمزايدة، وهي 1 و2 في الشمال على الحدود البحرية السورية والبلوك 5 على الحدود البحرية القبرصية و 8 و10 على الحدود البحرية مع اسرائيل. فتح هذه البلوكات يفتح ملف ترسيم الحدود بامتياز. في العام 2014 مع فتح جولة التراخيص الاولى في لبنان، رفعت الحكومة السورية شكوى ضد لبنان تؤكد عدم اعترافها بترسيم الحدود، وبالتالي على لبنان الاعتراف بوجود مشكلة مع سوريا على ترسيم الحدود والمشكلة معقّدة أكثر من ترسيم أو تثبيت الحدود مع اسرائيل. اليوم لا توافق حكومياً على إعادة العلاقات الطبيعية مع نظام الاسد ولا نية سورية في التفاوض على الحدود بلا مقابل سياسي مما سيشكّل أزمة في لبنان. الحديث اليوم، ان روسيا قد تكون مهتمة بالوساطة بين لبنان وسوريا من باب اهتمامها بالاستثمار في قطاع النفط والغاز في لبنان وخصوصاً في الشمال، لانها تعمل على خلق نفوذ اقتصادي طاقوي يمتد من كردستان العراق وكركوك مروراً بشمال لبنان وانتهاءً بالمنطقة الاقتصادية الخالصة السورية. اما المشكلة الاخرى فهي ترسيم الحدود مع قبرص، المعلوم ان لبنان رسم الحدود مع قبرص في 2007 ولكن هذا الاتفاق لم يقرّ في مجلس النواب اللبناني، وبالتالي لا قيمة لهذا الاتفاق بالنسبة إلى لبنان، ولكن الأبرز اليوم ان الدولة اللبنانية تقوم بالتعاون مع قبرص للوصول الى اتفاقية تقاسم الموارد وهذا اتفاق مهم جداً في حال وجود مكامن مشتركة بين لبنان وقبرص وخصوصاً في حال تم منح عقد على البلوك 5. اما مشكلة ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل فهي اليوم رهينة الانتخابات الاسرائيلية. كانت اسرائيل منفتحة للحل بعد الانتخابات النيابية وفوز نتنياهو ولكن بعد فشله في تشكيل الحكومة ودخوله في انتخابات جديدة لم تعد تعنيه المفاوضات. اليوم نتنياهو في خضم معركة سياسية وانتخابية لا يتحمّل الدخول في أي مفاوضات أو تسويات مع لبنان. قد يعود موضوع الترسيم بعد الانتخابات في ايلول ومع الجولة الاولى لمساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شينكر. ملف ترسيم الحدود مع الجوار يتطلب القدرة على توحيد الصفوف والحنكة والقدرة التقنية على التفاوض مع الاطراف المتعددة.

المستجدات الاقليمية لها تأثيرعلى قدرة لبنان بالتصدير في المستقبل، وتترجم باللقاء الثاني لمؤسسي منتدى شرقي المتوسط للغاز في القاهرة في تموز 2019 والذي يضم 7 دول هي، بالاضافة إلى مصر حيث ستكون المقر الدائم للمنتدى، كل من اسرائيل وفلسطين والاردن وقبرص واليونان وايطاليا. هذا المنتدى مبارك من الاميركيين والاوروبيين وسيشكل المحور الاساسي للتعاون بوضع السياسات المتعلقة بالغاز في المنطقة وستتعاون على فتح الاسواق لغازها وسوف تعمل على استعمال وبناء بنى تحتية مشتركة لتشبيك البلدان المنتمية للمنتدى ولنقل الغاز بين هذه البلدان والى الاسواق الخارجية. اعلن لبنان عدم نيته الانضمام لهذا المنتدى لوجود اسرائيل فيه. ولكن هذا لا يعني ان لبنان لا يستطيع التعاون مع باقي البلدان المشاركة في المنتدى. بل على لبنان العمل على تطوير علاقات استراتيجية مع قبرص ومصر، وعليه دراسة جدوى اقامة انبوب من لبنان الى قبرص ومن قبرص استعمال الانبوب المنوي بناؤه بين قبرص ومصر كطريق لإيصال الغاز اللبناني الى مصر ومن هناك الى اوروبا. قد يكون هذا الموضوع قبل أوانه لان لبنان لم يكتشف اي موارد بعد، ولكن وضع الاستراتيجيات والسيناريوات ضروري اليوم كتحضير لما سيأتي لاحقاً. لو وجد لبنان الغاز اليوم لكان وقع بمأزق التصدير الى الخارج! العلاقة مبهمة مع سوريا وبالتالي قد لا يستطيع بيع الغاز لسوريا ولا استعمال الانبوب العربي الذي يمر عبرها الى الاردن فمصر. وطبعاً لا مجال للتعاون مع اسرائيل وبالتالي يجد لبنان نفسه جزيرة في قلب العالم العربي!

المستجدات الدولية تترجم بقانون جديد يناقش في الكونغرس الاميركي تحت عنوان التعاون الامني والطاقوي في شرقي المتوسط. هذا القانون يؤكد ان اسرائيل وقبرص واليونان هي دول صديقة للولايات المتحدة في شرقي المتوسط والأمن الطاقوي لكل منها من امن واشنطن ومصلحتها. ويؤكد القانون ان الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عن اصدقائها ضد اي اعتداء أمني إرهابي على منشآتها والبنى التحتية (المتعلقة بالنفط والغاز)، ويذكر هذا القانون تحديداً ان الولايات المتحدة ستتدخل في حال هجوم واعتداء من "حزب الله". وبالتالي أي تهديد من "حزب الله" على منصات النفط في اسرائيل لم يعد يعني مواجهة اسرائيل فقط بل مواجهة الولايات المتحدة. وهذا تطور خطير ويزيد الخطورة أكثر ويستدعي انضباطاً شديداً لمنع الدخول في حرب اقليمية شبه عالمية من باب الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

لوري هايتيان - مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.