ريتا عازار

عدستها لا تلاحق إلّا الأثرياء

تينا بارني... "جاسوسة" بكاميرا تخترق العوالم المخمليّة

5 دقائق للقراءة

كم مرّة ألقيتَ نظرة على صورة وبدا لك أنّ وراء ابتسامة الشخص فيها قناعاً يخفي قصةً أخرى؟ تينا بارني، المصوّرة الأميركية الأرستقراطية، تجيد التقاط تلك القصص المخبّأة خلف ستائر الحرير وكؤوس الشمبانيا. وما يجعلها مثيرة للفضول، ليس فقط قدرتها على نقل حياة النخبة بجرأة، بل أيضاً ذاك المزيج الحاد بين الاحتفاء والنقد، وكأنها تقول: "أنتم في مسرحية، وأنا المخرجة".



تُعتبر تينا بارني واحدة من أبرز المصوّرات الفوتوغرافيات في الولايات المتحدة الأميركيّة. استطاعت بكاميرتها الكبيرة وألوانها الزاهية أن تلتقط تفاصيل دقيقة لعالم نادراً ما يُرى: حياة النخبة الاجتماعية الأميركية والأوروبية.


وُلدت في نيويورك، وترعرعت في حي "Upper East Side" بين لوحات رينوار وديغا، التي جمعها والدها، حفيد مؤسسي مصرف "ليمان براذرز". هذه الخلفيّة الأرستقراطية التي نشأت فيها شكّلت محوراً رئيساً لرؤيتها الفنية، حيث استخدمت عدستها لتوثيق هذا العالم من الداخل، ولكن بعين ناقدة وحنونة في آنٍ واحد.



هدف واحد


هذه الفنانة النيويوركية صنعت شهرتها في الولايات المتحدة عبر تكريس نفسها لهدف واحد: تصوير أفضل نماذج النخبة الاجتماعية، سواء في أميركا أم في أوروبا. سواء عملت للصحافة، وخاصة مجلة "فوغ" الأميركية، أم عرضت أعمالها في المتاحف، تبقى تينا بارني متميّزة في مجالها. على مدار أكثر من أربعة عقود، ركّزت عدستها على الأغنياء، طقوسهم، أزيائهم، وديكورات منازلهم. لا يزال هذا النهج يجعلها فريدة مقارنة بأقرانها وتاريخ التصوير الفوتوغرافي، الذي غالباً ما يُبرز الفقر أو الإقصاء.



صورها التي تنقل أجواء حفلات الأعياد، والعشاء تحت أضواء الشموع والفضيات اللامعة، وحفلات الكوكتيل في القصور التي تبدو وكأنها خرجت من مسلسل "دالاس"، تزيّن اليوم جدران معرض "Jeu de Paume"، الذي يحتضن أول معرض كبير لها في أوروبا.



التصوير تلى الطلاق


بعد أن حضرت دورات تدريبية في مركز صغير للتصوير الفوتوغرافي في "صن فالي" (أيداهو)، حيث عاشت لمدة عشر سنوات مع زوجها وطفليها، بدأت عملها في التصوير الملوّن في أوائل الثمانينات من القرن الماضي بعد طلاقها. كانت تبلغ حينها نحو 40 عاماً. في ذلك الوقت، ظهر اتجاه جديد نحو التصوير المنزلي رداً على عقود من تصوير الشوارع. ساهمت مصوّرات مثل سالي مان، وكاري ماي ويمز، ونان غولدين، كلٌّ منهنّ بطريقتها الخاصة، في هذا الاتجاه. وعلى الرغم أن بارني تجاوزت 78 عاماً، إلّا أنّ تأثيرها لا يزال حاضراً بقوة. وعلى مدار أكثر من أربعين عاماً، ركّزت أعمالها على تصوير العائلات الأرستقراطية في لحظات تبدو عفوية ولكنها مدروسة بعناية. صورُها ليست مجرد وثائق عن حياة الأثرياء، بل تُظهر تعقيد العلاقات الإنسانية، والصراعات الخفيّة بين المظاهر والمضمون.



خلال التسعينات، وسّعت بارني نطاق عملها لتشمل الأسر الأرستقراطية في أوروبا. ومع أنها شعرت بغربتها عن هذه البيئات، إلّا أن هذا البُعد أضاف مزاجاً جديداً إلى صورها الأوروبية مقارنة بأعمالها الأميركية.



أرستقراطية بعدسة ناقدة


على عكس المصوّرة الشهيرة ديان أربوس، التي غادرت عالمها المترف لاستكشاف هوامش المجتمع، اختارت تينا بارني أن تبقى داخل عالمها، وتوثّق ما تعرفه عن قرب. لكنّها فعلت ذلك بوعي اجتماعي ونقدي، حيث تتساءل صورها: هل تغيّرت القيم؟ هل ما زال هذا العالم صامداً أم أنه يوشك على الانهيار؟



صورها لحفلات العشاء الفاخرة، والديكورات المزخرفة، والعلاقات العائلية المعقّدة تُظهر مزيجاً من الجمال والعزلة. وبهذا، استطاعت أن تبتكر أسلوباً خاصاً بها، يقف عند تقاطع بين العفوية والمسرحية، بين النقد والاحتفاء.



اليوم، تُعرض أعمال تينا بارني في أهم المتاحف العالمية، مثل "متحف الفن الحديث - MoMA " في نيويورك ومعرض "Jeu de Paume" في باريس، الذي يحتضن أول معرض كبير لها في أوروبا حتى كانون الثاني 2025. وتظلّ صورها شاهداً على عالم النخبة الذي تنتمي إليه، حيث تبدو كل لقطة وكأنها تجيب عن تساؤل وجودي عميق: هل المثالية الظاهرة تحمل في طياتها هشاشة قد تنكسر في أي لحظة؟



تينا بارني ليست مجرد مصوّرة للأثرياء، بل هي أشبه بجاسوسة بكاميرا تخترق عوالمهم المخملية دون تصريح. صورها، التي تبدو في ظاهرها احتفاءً بالترف، تحمل في حقيقتها جرعة من السخرية المبطّنة: "ها هو عالمكم، لكنه ليس مثالياً كما تظنّون". إرثها الفنّي يثبت أنّ الكاميرا ليست مجرد أداة، بل سلاح خفي يُظهر ما يُخبّئه الستار المخملي. وبطريقتها الطريفة واللاذعة، تجعلنا نتساءل: هل هذه حياة أم بروفة لفيلم طويل؟



التقاطع بين الفن والواقع


تتميّز صور تينا بارني بحجمها الكبير وتركيباتها التي تبدو عفوية لكنها تحمل بُعداً مسرحياً. على الرغم من أنّ استخدام الكاميرات الكبيرة والإضاءة القوية كان يمكن أن يُنتج صوراً جامدة، إلّا أن بارني استطاعت أن تخلق إحساساً بالحركة والحياة داخل كل إطار. وبينما قد تبدو صورها للوهلة الأولى احتفاءً بالثراء والترف، إلّا أنها في الواقع تحمل نقداً مبطناً لهذا العالم، مضيئةً على ثقل التقاليد وضغوط الامتياز.



تينا بارني في صورة ذاتية (2023)



جوليان مور والعائلة (1999)



مهمة عائلية مع ثعبان (2007)