بشار حيدر

شرعية الأنظمة ومواجهة إسرائيل

3 دقائق للقراءة

تصريحات أحمد الشرع منذ تسلمه السلطة في سوريا، كما أقوال محافظ دمشق الأخيرة، تنمّ بوضوح عن نية السلطة الجديدة عدم جعل المواجهة مع إسرائيل ضمن أولوياتها الحالية، وربما المستقبلية أيضاً. وهذا موقف غير متوقع حتى في سياق البراغماتية التي طبعت مواقف الشرع وأعضاء فريقه منذ تسلمهم السلطة، خصوصاً أن إسرائيل احتلت مواقع سورية بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما كان من شأنه أن يدفع السلطة الحالية إلى إعلان استعدادها لصد العدوان ودحره، على الأقل كي لا يقال إنها غير قادرة، أو غير مستعدة، لحماية سوريا من أطماع إسرائيل.


أضف إلى ذلك أن المعارضة السورية، العلمانية منها والإسلامية، دأبت على اتهام نظام الأسد بتأمين حاجات إسرائيل الأمنية، بينما هو يختبئ خلف شعارات جوفاء عن محاربة العدو الصهيوني. لذا كان متوقعاً أن لا يوحي النظام الجديد أنه يسلك مسلكاً مشابهاً لسلوك النظام المخلوع من حيث طمأنة إسرائيل أمنياً.


لكن السلطة الجديدة اختارت أن تتمايز عن نظام الأسد بشكل مختلف جذرياً وغير متوقع. هكذا قررت أن تتخلى عن شعارات النظام من أصلها، وأن تعلن جهاراً أنها لن تسعى إلى تهديد أمن إسرائيل، خارقةً بذلك محرّماً أساسياً من محرمات الخطاب السياسي السوري بكل تلاوينه.


تدرك السلطة الجديدة في سوريا أنها ستكون منهمكة كليّاً في مشروع إعادة إعمار وتأسيس داخلي شاق وطويل على كل المستويات، وأنها بسبب ذلك لن يكون من مصلحتها أن تسعى إلى أية مواجهة مع إسرائيل، لا بل هناك حاجة لديها لتحييد إسرائيل وداعميها عبر طمأنتهم.


وهذا ما يفسر، إلى حد بعيد، خطاب السلطة الجديدة وأفعالها تجاه إسرائيل. لكنه ليس الاعتبار الوحيد أو الأساس في تبني سلطة الشرع هذا الموقف من الاحتلال الإسرائيلي. فالعامل الأهم هو أن هذه السلطة تتمتع بشرعية شعبية تأسيسية واسعة قائمة على تحرير الغالبية الساحقة من السوريين من أشرس أنظمة الاستبداد التي تحكمت برقابهم على مدى أكثر من نصف قرن. ولذا فهي ليست بحاجة إلى الاستعانة بشرعية "محاربة العدو"، والتي عادة ما تكون الخيار الأسهل لإضفاء شرعية على أنظمة تعاني من فقدان مصادر أخرى لشرعيتها.


لذا، قد تستعيد السلطة في سوريا خطاب مواجهة العدو الإسرائيلي في المستقبل في حال أدركت أنها بدأت تفقد شرعيتها الشعبية، إما بسبب عدم قدراتها على تحقيق إنجازات داخلية، أو، مع مرور الوقت، في حال وهن شرعيتها السابقة المستندة إلى إسقاط نظام الأسد. عندها يصبح خطاب مواجهة إسرائيل مغرياً من أجل التشبث بالسلطة. فخطاب المواجهة ذلك، كما تعودنا، يعفي الأنظمة من تقديم إنجازات حقيقية، بما في ذلك أي إنجاز يتعلق بمحاربة إسرائيل. فيكفي أن يعتمد النظام خطاب مواجهة العدو الصهيوني المدعوم من الغرب الإمبريالي ليضفي على نفسه شرعية ما، بغض النظر عن مدى تحقيقه لأي نصر ملموس ضد ذلك العدو. كما يتيح له ذلك الخطاب إسكات وقمع القوى المعارضة له بحجج الخيانة وإضعاف الشعور القومي للأمة المحاربة.


فغالباً ما ترافق إعلاء شعار محاربة إسرائيل في نصف القرن المنصرم مع انخفاض الشرعية الشعبية وارتفاع درجات القمع السياسي: عراق صدام وسوريا الأسدين وليبيا القذافي، براهين واضحة على تلك الظاهرة. وغياب شعار مواجهة إسرائيل في خطاب السلطة السورية الجديدة يستند إلى تمتعها، إلى الآن على الأقل، بشرعية قوية لدى الشرائح الأكبر من الشعب السوري. وهذا، فيما استعادة خطاب المواجهة مع العدو في المستقبل سيكون في الغالب مؤشراً إلى انحسار تلك الشرعية.


أما في لبنان، فارتبط شعار محاربة إسرائيل، أو رفضه، بصراعات الجماعات الأهلية وغلبة الواحدة منها على الأخرى. لكنْ لهذا حديث آخر.