هادي دميان*
يبدو من تطوّر الأمور أنّ الشّرق الأوسط على أبواب حقبة ستُعرف باسم السّلام الإسرائيلي، أو "Pax Israeliana" في صيغتها اللّاتينيّة، وهي المرحلة الّتي أسّست لها المرحلتان السّوريّة فالإيرانيّة المتعاقبتان.
بالنسبة إلى بلاد اﻷرز، ينفتح فصلٌ جديد بين لبنان وجارته ما وراء حدودنا الجنوبيّة، أكان من خلال العودة إلى هدنة عام 1949 والتي ظلّت سارية المفعول حتّى توقيع اتّفاق القاهرة عام 1969، أم بمجرّد تطبيق أحكام اتّفاق الطّائف الّذي وُقِّعَ عام 1989.
مع هذه البداية، ينتظر الكثير من اللّبنانيّين واللّبنانيّات اللّحظة المناسبة للعودة إلى لبنان، للعودة من منفاهم القسري في المهجر وحزم حقائبهم بعد فترة طويلة من الاجتثاث. ويهود لبنان من بين هؤلاء.
توفّي في 31 كانون الأوّل 2024 أحد اليهود اللّبنانيّين الذين عاشوا في لبنان وعاشوا يهوديّتهم علناً. هو جوزيف طرّاب، صديقٌ كبيرٌ لأستاذي وصديقي جلال خوري، وناقد فنيّ وصحافيّ وكاتب، لطالما ردّد أنّه يعيش على هامش "الجالية اليهوديّة"، كأنّه يؤكّد أنّ كلماته تخصّه وحده، وأنّه لا يتكلّم بلسان أحد، فلا يمثّل غير ذاته. وإذ تَتوالى المقالات والتّصريحات والمقابلات التي تحتفل بإرثه الثّقافي اللّبناني، غالباً ما تختصره بهويّته الدّينيّة في نوعٍ جليّ من التّلصّص والفضول والرّغبة في التّقرّب من واحدة من الطّوائف الدّينيّة الثّماني عشرة الّتي تشكّل الفسيفساء اللّبنانيّة.
إعلامٌ ضائع
من النّاس من هم صهاينةٌ ومن النّاس من هم يهود. فجميع الصّهاينة ليسوا يهوداً، وجميع اليهود ليسوا صهاينة. اليهود اللّبنانيّون - أو اليهود من أصل لبناني - الّذين التقيتهم في لبنان أو تقاطعت دروبنا في الخارج، يوضحون ذلك بشكلٍ قاطع. لذلك، من الضروري إعطاء صدى لرسالتهم، فنساهم في تصحيح الخلط الشّائع بين الصّهيونيّة واليهوديّة.
على الرغم من تدفّق صوَر المظاهرات اليهوديّة المؤيّدة للفلسطينيّين على شبكات التّواصل الاجتماعي على مدار عام 2024، استمرّت وسائل الإعلام اللّبنانيّة في تجاهلها، فأضاع الإعلام اللّبناني فرصةً لنقل الصّور القويّة للجمعيّات اليهوديّة حول العالم الّتي تتظاهر ضدّ القصف الإسرائيلي على غزّة، حيث رفع المشاركون اليهود شعارات مثل "ليس باسمنا" و "أوقفوا إطلاق النّار الآن". قرّرت وسائل الإعلام عدم اغتنام هذه الفرصة للعمل على إعادة صياغة السّرديّة العامّة وتصويبها الصّحيح في خدمة الشّأن العام والتّلاحم الأهلي.
التّفريق بين الصّهيونيّة واليهوديّة أمر ضروري لتمهيد العودة الكريمة لليهود اللّبنانيّين، أي للحؤول من دون أعمال التّخريب والعنف. فالكلام فعل، وماضي لبنان القريب ليس غريباً عن تلك الممارسات كما تشهد قصّة اللّبنانيّ جاد.
طفولةٌ لبنانيّة
وُلِدَ جاد سَعد** في لبنان عام 1964. هو اليوم أُستاذٌ وكاتِبٌ وعالِمٌ في السُّلوك التّطوّري في كندا. يتحدّث الفتى اللّبناني اليهوديّ عن طفولته في لبنان، فيصفها بالسّعيدة ولَو لم تخلُ من بعض المواقف غير المثاليّة لليهود. يَروي جاد ثلاثة مواقف عايشها، فتُظهِر كيف تؤثّر السّياسة والأخبار في سلوكيّات النّاس وأفكار المجتمع.
لمّا توفّي الرّئيس المصري جمال عبد النّاصر، نزل بعض اللّبنانيّين إلى الشّوارع وتزاحموا على رثائه بحرارة. رأى جاد، وهو في عامه السّادس، حشداً من النّاس يمرّ على مقربةٍ من منزله وهم يهتفون "الموت لليهود". سأل والدته مذهولاً: "أمّي، لماذا يهتفون الموت لليهود؟ ما علاقتنا بهذا الأمر؟".
في عامه التّاسع أو العاشر، طلبت المعلّمة من كلّ تلميذٍ أن يقف ويقول ماذا يريد أن يكون عندما يكبَر. أراد تلميذٌ أن يُصبِحَ طبيباً، وآخرُ لاعبَ كرة قدم، وآخرُ شرطياً. وقف تلميذٌ، رفيق جاد في الصّف، وقال: "عندما أكبر أريد أن أقتل اليهود"، فانفجر الصّف تصفيقاً.
اندلعت الحرب في لبنان عام 1975، وكان اليهود في نصب أعيُن بعض المسلّحين. قُتلت عائلةٌ يهوديّة بالرّصاص على بعد شارعَين من المنزل الّذي كان جاد يسكنه، ونُهِبَت محالّ تجاريّة يملكها لبنانيّون يهود ودُمِّرَت وأُحرِقَت. وَصلت الرّسالة، فنظّم الكثير من اليهود رحيلهم، ومن بينهم عائلة جاد. عندما أعلن الطّيّار أنّ الطّائرة غادرت المجال الجوّي اللّبناني، وضعت والدة جاد نجمةَ داوود حول عنق ابنها وقالت له: "يمكنك الآن ارتداؤها. لست مضطرّاً لإخفاء هويّتك ويمكنك أن تعتزّ بنفسك".
مع ذلك، لم يبتهج الفتى اللّبنانيّ البالغ من العمر أحد عشر عاماً لهذا الانتقال ولم يُعجَب بمدينته الجديدة على الإطلاق. فمونتريال مظلمة جداً، وتلك الأشياء البيضاء الّتي تتساقط من السّماء تزعجُهُ، والجوّ بردُه قارسٌ.
لقاءٌ مع التّاريخ
في نهاية أمسية صاخبةٍ في إطار مؤتمرٍ دوليّ في مدينة سان دييغو الأميركيّة عام 2023، قالت لي شابّة:
- أنت الشّاب اللّبنانيّ، أليس كذلك؟
- نعم!
- أنا من لبنان.
- هل تقيمين في لبنان؟
- لا، أنا أعيش في تورنتو. لقد كنت أراقبك في الأيّام القليلة الماضية.
- حقّاً؟
- نعم، والعام الماضي أيضاً، خلال مؤتمر 2022.
- لماذا لم تسلّمي عليّ؟
- أردت أن أتأكّد.
- ممَّ؟
(صمت)
- يا إلهي! أنت يهوديّة وأردتِ أن ترَيْ كيف ستكون ردّة فعلي على ذلك!
غنِيٌّ عن القول إنّنا تحدّثنا لفترةٍ طويلة. من المخجل أنّ من اللّبنانيّين من يخاف ملاقاة لبنانيّين مثلهم، خشيةً من الرّفض، من الازدراء، أو من ردّ فعلٍ مفاجئ. كان شابّ يقف بجانبها، وكانت مفاجأتي أنا، أنّه يهوديٌّ أيضاً، من والدَين يهوديَّين، والده يهوديٌّ عراقيٌّ، فكان الحديث عن اليهود المزراحيّين، أي الشرقيّين.
أهمّ المواضيع التي تناولناها: العودة إلى لبنان واكتشاف أرض الأجداد لفهم أصلهم ومن أين أتَوا. عاش اليهود في لبنان منذ أكثر من ألفَي عام. ففي التّاريخ الحديث مثلاً وخلال الحرب العالميّة الثّانية وبعدها، استقبل لبنان عائلات أشكنازيّة هاربة من الإبادة النّازيّة لليهود أو الهولوكوست، وفي عام 1941، وصل بعض اليهود العراقيّين إلى لبنان هرباً من المذبحة ضدّهم في بغداد. وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، أصبح لبنان البلد العربيّ الوحيد الّذي ازداد عدد سكّانه اليهود، ولجأ إليه السّوريّون اليهود هرباً من الاضطهاد. غير أنّ الخوف من الأعمال الانتقاميّة بسبب الأعمال الّتي نُفِّذت "باسم اليهود" يمسي هاجساً أمام اليهود اللّبنانيّين.
التّاريخ يشهد
من خلال انتمائهم الكامل إلى الأمّة اللّبنانيّة، قاوم اللّبنانيّون اليهود جهود حركات التّجنيد الصّهيونيّة واستمرّوا بالخدمة في الجيش اللّبناني. إلّا أنّ ضعف سلطة الدّولة وازدياد الصّراعات بين الأديان فكّكت الأمّة اللّبنانيّة، ما شجّع الكثيرين على تكرار الاعتداءات على الأفراد والمصالح اليهوديّة، فكانت الهجرة الخيار الوحيد. ومنذ ذلك الحين، انتشر اللّبنانيّون اليهود في أوروبا والقارّة الأميركيّة، ولم يتوقّفوا عن سؤال اللّبنانيّين الّذين يلتقون بهم عن لبنان، فيحلمون بالعودة، ويقدّمون المساعدة للبنانيّي لبنان في الأزمات المستمرّة.
مرّت السّنوات على توقّف الحرب اللّبنانيّة، وما زالت حالة مقابر اليهود تتدهوَر والمعابد اليهوديّة مُباحٌ التّصرّف فيها. ولنا كلبنانيّين أن نحافظ على المواقع اليهوديّة كوقفة عزّ وكرامة ومواطنة وأخلاقيّة ووطنيّة، احتراماً للمواطن اللّبناني ولتاريخنا، ولَو فقط لأجل ضمان صلابة هذه المنشآت، احتراماً لحرمة الأموات الّذين يرقدون في أرض لبنان.
سيرة طرّاب
لَحِقَ بهم جوزيف طرّاب في اليوم الأول من عام 2025. كنت سألتُه قبل ذلك بزمانٍ عن حُكمِ دَفنِهِ، إذ ما من حاخامٍ في لبنان اليوم، والصّلاة متحفّظة.
عاش جو لبنانياً في لبنان، يهودياً غير مختبئ، ومن دون أن يتقَوقَعَ في هويّته الدّينيّة.
وُلِدَ في عام استقلال لبنان، وهو حفيد أحد كبار حاخامات الطّائفة اليهوديّة اللّبنانيّة. في إطار مشاركته في مؤتمرٍ في باريس بعد هزيمة 1967 أو نكسة حزيران، أو حرب الأيّام السّتّة، قال جو: "أنا أتحدّث كيهوديّ عربيّ. أنا أتحدث بصفتي يهودياً عربياً من لبنان، وأنا على ما يرام". كان يقول إنّ ما من مشكلة يهوديّة في الدّول العربيّة، وإنّ المشكلة، إن وجدت، فهي ليست بسبب الدّول العربيّة، بل بسبب استقدام أجانبَ إلى المنطقة كجزءٍ من إنشاء إسرائيل، ثقافتهم توسّعيّة، إلغائيّة، حتّى على حساب اليهود العرب. وقبل أن يتفرّغ طرّاب للنّقد، كان متحمّساً للأفكار الثّوريّة ومن أشدّ المؤيّدين للقضيّة الفلسطينيّة، فدعا قادتها إلى تبنّي الأفكار الاشتراكيّة.
تعلّم جوزيف طرّاب في مدرسة القديّس يوحنّا دي لاسال (Collège Saint Jean Baptiste de La Salle) فكانت مكان التقاء جميع التّلاميذ، مجتمعين بالهويّة اللّبنانيّة ومن دون تمَوضع مذهبي. انضمّ في الصّف السّابع الأساسي (EB7 أو Cinquième) إلى نادي بيروت السّينمائي الّذي كان مُلتقى المثقّفين اللّبنانيّين، فتجاذبوا أطراف الحديث وتناقشوا الفيلم لساعتَين أو لثلاث ساعات، فشحذوا قدراتهم النّقديّة لتحليل الأفلام من صور وأصوات وسيناريو وأداء. هكذا تعلّم جوزيف طرّاب قراءة الصّورة السّينمائيّة، وطوّر عينيه لقراءة اللّوحة الفنّيّة لاحقاً.
قاده شغفه بالثّقافة إلى إتقان العديد من اللّغات والانغماس في عالم الأدب والمسرح والنّقد الفنّي.
عمل مع جلال خوري وبرج فازليان وروجيه عسّاف وبول مطر وألين تابت وآخرين في المسرح المعاصر، وبعد دراسته الاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة والدّيموغرافيا، بدأ حياته المهنيّة كناقد ثقافي في باريس عام 1968.
إلّا أنّه أدرك عندما كان طالباً في فرنسا كم اشتاق إلى نور لبنان وبحره وأفقه الواسع، فَبقِيَ في بيروت إلى ما بعد العطلة الصّيفيّة، ولبّى دعوة جورج نقاش، صاحب جريدة "لوريان"، ليتولّى مسؤوليّة ملحقٍ يوميّ.
عمل كصحافي، فكان يعود إلى منزله في شارع الحمرا في حوالى السّاعة الرّابعة صباحاً، ولم يعرف الخوف بسبب دينه. اضطرّ لمغادرة بيروت عام 1985 واستقرّ في جونية حيث كان يشعر بأنّه في بيته "الطبيعي" بين اللّبنانيّين والسّوريّين والعراقيّين والسّعوديّين وأناس من طوائف مختلفة، تجمعهم الألفة، فعاش في جونية حياةً جدّ طبيعيّة، داحضاً منذ ذلك الحين مقولة إنّ أهالي كسروان يرفضون الغريب.
على جدران منزله الكبير في جونية، تصطفّ أكثر من 150 لوحة فنّيّة، تجالس آلاف الكتب والمجلات، وقد تبرّع جوزيف بستّة آلاف منها إلى جامعة الرّوح القدس في الكسليك.
عاشر الفنّانين التّشكيليّين والنّحّاتين والرّسّامين والكتّاب والشّعراء والموسيقيّين والمسرحيّين منذ بداياتهم وحتّى ذروة نجاحهم، رافضاً أن يلتقِيَ بهم قبل أن ينشر نقده للحفاظ على موضوعيّته، وهي مسألة مبدأ بالنّسبة إليه.
وبعد مسيرةٍ كناقدٍ سينمائيّ وناقدٍ مسرحيّ، كرّس طرّاب نفسه بشكل شبه حصريّ للنّقد الفنّي. نشر أكثر من 150 مقالاً وكتاباً ودراسةً ومحاضرةً ومقدّمات كتب ومقالات افتتاحيّة وكتيّبات وكتالوغات لمعارض فرديّة وجماعيّة. خطّ أُفْرودة أو مونوغرافيا وكُتب فنّ عن ستيليو سكامانجا وبول غيراغوسيان ونوريكيان وندى عقل وصلاح صاولي وميساك ترزيان وحسين ماضي وجميل ملاعب ومحمد الحفّار ورفيق شرف وجوليانا سيرافيم والمصوّر الفوتوغرافي فاروجان سيتيان. ساهم أيضاً في دراساتٍ عن سلوى روضة شقير، وحسين ماضي، وشفيق عبّود، ودوروثي سلهب كاظمي وآخرين، كما شارك في عمل "Un Monde en Transition- D'Istanbul à Marrakech" مع سعد كيوان و "Le Cinquième Jour - Entre Ciel et Terre" مع منى باسيلي صحناوي، وقدّم قرابة نهاية مشواره على الأرض جميع كتاباته إلى معهد الأبحاث الألماني المستقل "معهد الشرق – بيروت".
قال طرّاب إنّ الفنّانات اللّبنانيّات أهمّ من الفنّانين الرّجال، فهنّ قادمات من مجتمعٍ منغلقٍ وقاسٍ، تحرّرن منه وتغلّبن عليه، وخُضنَ المُعتَرك الفنّي ونَجَحنَ، ولكلِّ فنّانة منهنّ أسلوبها الخاصّ وابتكارها وتميّزها في أعمالها، وهو ما لا نراه عند الفنّانين الرّجال.
جوزيف طرّاب رجل متواضع ومثقّف، ذو صوت أدبي فريد. أرّخ لتاريخ بيروت، من عصرها الذّهبي إلى فترات الحرب الّتي مرّت بها، فالتقط في كتاباته صمود شعبه وحيويّته. تعكس أعماله النّقديّة مثابرة الفنّانين وتطوّر الفنّ في خضمّ الحرب الأهليّة والأزمات والأيّام الجميلة.
لقد ترك خلفه إرثاً فكريّاً وفنّيّاً استثنائيّاً يعكس تاريخ الشّعب اللّبناني، وهو لطالما ذكّرنا أنّه يعيش اللّحظة، فيقلب الصّفحة ولا يدع الماضي يؤثّر في مستقبله.
-------------------------------
* كاتب لبناني
** جاد سَعد، أستاذ مادّة التّسويق في جامعة كونكورديا الكنديّة وخبير في تطبيق علم النّفس التّطوّري على التّسويق وسلوك المستهلك. يقدّم جاد برنامج بودكاست "حقيقة سَعد مع الدكتور سَعد“ (The Saad Truth with Dr. Saad) وهو مؤلّف كتاب "حقيقة سعد عن السّعادة: 8 أسرار لعيش حياة جيّدة" (The Saad Truth about Happiness: 8 Secrets for Leading the Good Life).