نوال نصر

حين تبصر العين ويبتسم الناظر

أربعة رسومات فجّرت مشاعر أربعة فنانين

4 دقائق للقراءة

نعم. الرسم فن لا- ولن- يجيده إلا من ارتقى خياله ومن وسع أفقه ومن له عين تبصر وقلب ينبض. قبل أيام، في عزّ أيام الحلم بلبنان جديدٍ واعدٍ قادم، التقينا بأربعة فنانين رسموا من قلب القلب، مستخدمين البصر والبصيرة، فأنتجوا لوحاتٍ تدخل القلب وتسكن فيه وتجعل الناظر يحلم ويبتسم. التقينا باسكال مسعود وجان خوري وغادة قازان وباتريك عبود، فابتسمنا بأملٍ وبيقين بأنّ الفن قادر أن يحيي البلد والإنسان.


التقينا في بهو غاليري "Art and Artists" مع الفنانين الأربعة في اليوم الأخير من أيام خمسة أظهروا فيها مشاعرهم المتفجرة (Emotional Gloom) مع كل حدث ومفصل في لوحاتٍ تكاد تنطق. جميلٌ كان اللقاء لأنه جعل "خمستنا" نحلم. باسكال مسعود، المرأة - الرسامة حكت بقلبِها عن هواية أبت إلا أن تلازمها طوال العمر. "دخلتُ عالم الرسم في عمرٍ متأخر، في الأربعين، بعد أن أسستُ عائلة من خمسة أولاد. نلتُ ماجيستير في الفنون وأسستُ جمعية "ملتقى الألوان الفني"، واخترعت "الصبحيات الفنية". كنا نلتقي في حديقة أو أتيلييه أو في بيت ونرسم. يا الله كم أنّ الرسم جميل. انتسبتُ إلى "نقابة الفنانين التشكيليين اللبنانيين" وانطلقت".



لوحة ومشاعر

سؤالٌ بديهي طرحناه على باسكال كما على كل الآخرين: "ما هي اللوحة التي أظهرت فيها مشاعرك في "Emotional Gloom"؟ تجيب أنها "لوحة تفاح كفرذبيان. عبّرتُ فيها عن عشق اللجوء إلى الطبيعة وإلى الأمل المنشود". هي تهوى الرسم مذ كانت طفلة. "كنت أشتري من مصروفي الخاص "كراتين" وأرسم عليها. الرسم يساعدنا على الهروب من اليأس ويُشرّع أمامنا أملاً اعتبرناه مفقوداً".



قصة بقصص

ماذا عن جان خوري؟ كيف أظهر مشاعره بلوحة؟ يجيب: "دخلتُ قبل خمسة عشر عاماً إلى محترف زها ناصيف ومكثت ست سنوات طورت فيها تقنياتي. قبلها، في طفولتي، كان الأستاذ يشرح وأنا "أخرطش". الرسم هوايتي منذ صغري. يولد مع الإنسان، يكبر معه ويكبر فيه. ورسوماتي هي بورتريه و "Paysage". واللوحة التي أظهرتُ فيها مشاعري تضم وجه امرأة تجلس في الطبيعة حاملة باقة ورد. من يتأملها يرتاح. لم أمنحها اسماً بل تركتُ المتلقّي، المتفرّج، يفعل. تركتُ له كامل الحرية ليتفاعل معها. فكل لوحة أرسمها لها قصة قد تولد منها قصص". ننظر إلى لوحته ونتعمّق فنرتاح. ألا يقال الرسم شكل من أشكال العلاج؟



هدوء خارجي هدير داخلي

غادة قازان، الرسامة الهادئة، تتفجر لوحاتها بأمواجٍ صاخبة. هي صاحبة غاليري "Art and Artists". درست الهندسة لكنها لم تقتنع إلا بالرسم. وها قد مضى على احترافها أكثر من ثلاثين عاماً. لكن، كيف أظهرت مشاعرها في لوحة واحدة؟ تجيب: "رسمت موج البحر ينتصفه منارة". اللون الأزرق يغلب في معظم لوحاتها. هي الهادئة، الهادرة من الداخل، تعبّر بالموج الذي يخترق السكون حاكياً قصصاً وقصص. لكن، هل ترى قازان البحر هائجاً هادراً على الدوام؟ تجيب: "أشعر به يتفجّر". نسمعها فنتأكد أنّ البحر والأمواج يكتنفان الكثير الكثير من السلم والراحة.



الرسم بقدمين حافيتين

ماذا عن الرسام باتريك عبود، زوج غادة، هل يغلّب في مشاعره السكون أم يهدر أيضاً بموج؟ هو أظهر مشاعره بلوحةٍ كبيرة تجريدية (Abstract) سكب فيها الكثير من الألوان فطغى منها اللون الأخضر. ويقول: "تعب الناس من السواد ويحتاجون إلى ألوان وأشياء تثلج القلب". ننظر إليها فنشعر بتدفّق الحياة "أرسم حافي القدمين، وألعب بالألوان، وأتركها على سجيّتها. لا أخطط مسبقاً. أترك الرسم يتحرك كيفما يشاء لتخرج اللوحة بشكلها النهائي كما تريد". هذا النوع من الرسومات يقال عنه "وليد الصدفة". وهو صادق، ينطق، في كل تفاصيله. لكن، هل يُشكّل الرسم بين فنانين متزوجين حواراً من نوع آخر؟ يجيب: "اكتشفت موهبتي مع غادة. ونتحاور حول ما نرسم. انتقدها أحياناً وتنتقدني أحياناً. ونتعلّم، على الدوام، سوياً معبرّين عن مشاعرنا التي تتدفّق في رسومات".


الفنانون الأربعة قالوا الكثير من خلال ما ترجموه من مشاعر في لوحاتٍ أنجزوها بفخرٍ وحبّ كبيرين. إنهم اليوم يغمرهم الأمل بقيامة لبنان جديد، فلنتركهم يعبّرون في رسومات جديدة بعدما آن للبنان أن يعيش وللفن أن يقول كلمته.