ساد النظريات الدستورية منذ ما يزيد عن القرن ونصف القرن تعريفان للديمقراطية. هناك من نادى بأن الديمقراطية هي حكم الشعب عبر اختياره الحر لممثليه، فيما نادى آخرون بأن الديمقراطية الصحيحة تتعدى صحة التمثيل وترتقي إلى المحاسبة بحيث إن خيّرت الديمقراطية بين صحة التمثيل وتعطيل المحاسبة، وبين عدم دقة التمثيل وصرامة محاسبة الممثلين، ذهبوا إلى الخيار الثاني، الديمقراطية هي في المحاسبة. كانت فرنسا والفكر الفرنسي الدستوري التقليدي من نادى بالأولى، فيما المدرسة الثانية اعتمدها العالم الأنكلو - ساكسوني.
أبرز ما يفرق بين المدرستين هي الحكومات الائتلافية. بديهي السبب. الحكومة الائتلافية تسقط مبدأ جوهرياً من مبادئ الديمقراطية وهو مبدأ المحاسبة. كيف يمكن لمجلس نيابي أن يحاسب سلطة تنفيذية هو فيها ويشترك في قراراتها؟ لم تعرف المملكة المتحدة الحكومات الائتلافية الا في الحالات الأقصى حرجاً: الحرب العالمية، لتعود فوراً إلى الفصل بين الحكم والمحاسبة.
من أبرز أمثلة تفضيل مبدأ المحاسبة على التمثيل هو نظام الانتخاب البريطاني. في بريطانيا ثلاثة أحزاب رئيسية تقتسم النواب بينها. الغريب أن أعداد ممثلي الحزبين الأكبرين تتقارب عادة وتبلغ المئات لكل منهما من أصل 650 عضواً، فيما يقتسم ما تبقّى المقاعد القليلة وإن كان مجموع أصوات من ايّدهم يبلغ مئات الألوف.
شاهد آخر هو سجل الجمهورية اللبنانية. ثمة مرحلتان في تاريخنا وليس بالصدفة أنهما مرحلة الذروة ومرحلة السقوط. الأولى منذ الاستقلال عام 1943 حتى منتصف السبعينات لتحل محلها مرحلة التهاوي منذ انتشار السيطرة الفلسطينية ومن بعدها الحكم السوري ثم انتقال القرار إلى "حزب الله". قوام الحكم في الفترة الذهبية قام، إلى درجة كبيرة، على انسجام الحكومة التي تحوز الأكثرية النيابية وتخضع لمراقبة معارضة تنحصر بأقلية برلمانية. من أبرز سمات تلك الفترة التزام السلطة التشريعية وبالتخصيص رئاستها، التزاماً صارماً بالمهل الدستورية ومن بينها انتخابات رئيس الجمهورية في مهلها الدستورية حتى في أصعب الأحوال وتحت خطر قنص المسلحين. كانت المخالفة الوحيدة للمهل ليس بتأجيلها بل بتقديمها خوف التعطيل عندما عقد الرئيس كامل الأسعد جلسة انتخاب تم فيها انتخاب الرئيس الياس سركيس خلفاً للرئيس سليمان فرنجية قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية فرنجية خوفاً من الشغور. غير أن سلطة الاحتلال السوري وهيمنة "حزب الله" طوتا ذاك التراث واستبدلتاه بما لا سابق له في الأنظمة الديمقراطية، إقفال البرلمان ومنع انتخاب رئيس للبلاد بذرائع لا أسس قانونية لها على الإطلاق.
أزمات لبنان لا حصر لها. لبنان هو بالفعل "الرجل المريض"، ان استعرنا تشبيها للسلطنة العثمانية ساد في القرن التاسع عشر. من منا شهد حشداً في غير لبنان من المبعوثين لرئيس فرنسا والولايات المتحدة، ودول الاتحاد الاوروبي، وممثلي السعودية ومصر وقطر والإمارات، للمساعدة في تسمية رئيس مكلف وإعانته باختيار الوزراء؟ ثم ما هذه البدعة بتخصيص وزارات لطوائف دون سواها خاصة وزارة المالية التي تتفوق على سائر الوزارات بإشرافها المالي وضرورة توقيع الوزير على كل إنفاق من دون مهل ملزمة لتوقيعه ما يعطيه سلطة تعطيل كل قرار مالي صادر عن أي وزير. زد على ذلك أن الطائفة التي تصر على حصر ذاك الموقع بها، تضم ما يكاد ينحصر الفساد المالي بهم منذ تسلمها التوقيع المالي في السنوات الماضية وبينهم ملاحقون دولياً بالفساد؟
عجبي من نخبة مثقفة لها سجل في ممارسة مهام جدّية وخطيرة على المستوى الدولي، فاتها، أو ربما اختارت أن يفوتها، ما يعلمه تلميذ السنة الأولى للحقوق أو العلوم السياسية وهو ضرورة إطلاق يد السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة بحيث يتمتع أعضاؤها بسلطة واسعة جداً لا يقيدها إلا القانون وتخضع لمحاسبة المجلس النيابي والشعب بانتخابات دورية؟ لا شك أن خبرة هذه النخبة وبنيتها الأكاديمية تسقط كل إمكانية نسبة الجهل لها. هل من الممكن أن يكون السبب ميغالومانيا عندهم بأن ما يمكنهم تحقيقه يفوق إمكانيات أي إنسان آخر؟ أم هل يمكن أن يكون السبب فساداً شجعهم عليه انتشاره بين السياسيين والإداريين منذ تسعينات القرن الماضي وغياب أي شكل من أشكال المحاسبة الجنائية لمرتكبيها؟ لكن تبقى أسباب أخرى لا بد من عدم استبعادها منها الاعتزاز بالألقاب الوزارية والمناصب.
يصدق في حسني النية بين اللاهثين وراء المناصب عدم اطلاعهم على وصف الأخطل الصغير لعجز شيخوخته في قصيدة ألقاها بمناسبة تكريمه "اليوم أصبحت لا شمسي ولا قمري من ذا يغني على عود بلا وتر؟".