ريتا عازار

حين يكون الوداع فنّاً

سيلفي فارتان التقت جمهورها مرةً أخيرة

6 دقائق للقراءة


منذ بداياتها في الستينيات، كان للمغنّية الشهيرة سيلفي فارتان بصمتها في المشهد الموسيقي الفرنسي. لم تكتفِ أن تكون مغنّية على المسرح، بل تحوّلت رمزاً ثقافياً في فرنسا. ظهرت على غلاف أكثر من ألفيْ مجلّة، متفوّقة بذلك على أيقونات مثل بريجيت باردو وكاترين دونوف. أيقونة الأغنية الفرنسية، ودّعت المسرح في ثلاث حفلات (24 و25 و26 كانون الثاني 2025)، في "قصر المؤتمرات" بباريس، بعنوان "Je tire ma révérence" (ألقي تحيّتي الأخيرة). كانت هذه عروض الأداء الأخير لمسيرة فنية استمرت 63 عاماً، ونهاية حقبة لعشّاقها الكثر.


لطالما كانت سيلفي فارتان فنانة صارمة مع نفسها وتحمل احتراماً عميقاً لجمهورها. في مقابلة مع "Paris Match" في شباط العام الماضي، أشارت أنّ "في الليلة الأخيرة، سأشعر بلا شكّ بأنّ قلبي محطّم. لا بد من المرور بهذه المرحلة. مرّة أخرى، لا أريد أن يراني الجمهور متعبة ومنهكة، فهذه أيضاً مسألة احترام لهم. ثم إنني صارمة جداً مع نفسي". كما أكدت خلال ظهورها في برنامج "Face à Hanouna" أنّ هذا القرار لا رجعة فيه، "لا أريد أبداً أن أظهر مرهقة على المسرح! هذه نقطة نهاية لا رجوع عنها".



ذكريات مبهرة

تتذكر خطواتها الأولى على المسرح وكيف كانت تشعر بمزيج من التوتر والحماس قائلة: "لقد عشت طوال مسيرتي على بركان. قدّمت الكثير من الأعمال، والآن حان الوقت لأهدأ قليلاً". ومن بين أبرز محطاتها الفنية، تعاونها مع فرقة "البيتلز" في العام 1964، حيث شاركت في حفلاتها على مسرح "الأولمبيا". تتحدّث عن تلك التجربة قائلةً: "كان من الرائع مشاركة المسرح معهم، كانت طاقتهم مُعدية، وقد ألهمني ذلك في أدائي الخاص".


وتذكر أيضاً عرضها التلفزيوني الشهير "Top à Sylvie" عام 1974، حيث قدّمت عروضاً استعراضية مذهلة، بما في ذلك رقصات أكروباتية خطيرة. وعن ذلك تقول: "كنت أحبّ تجاوز الحدود وإبهار الجمهور. كل عرض كان مغامرة جديدة".


وفي مقابلات أخرى تشير سيلفي فارتان إلى أنّ المسرح مكانٌ لا مجال فيه للخداع، حيث يقف الفنان أمام الجمهور مكشوفاً، يُقدّم كل ما لديه بلا أقنعة، وأنها مدركة أيضاً أنّ لكل شيء نهاية. "عندما لا يعود السحر كما كان، يجب أن نقول وداعاً".


بعيداً عن الأضواء، تعيش الفنانة حالةً من الحنين، "أكثر ما أفتقده هو طفولتي"، مؤكدةً أنّ الفن كان وسيلتها لاستعادة تلك البراءة المفقودة. تستعيد ذكريات أولى خطواتها، حيث كانت تتعلم الرقص في نيويورك مع أساتذة ابتكروا عوالم جديدة من الإبداع. وتتحدّث عن شغفها بالأزياء التي لطالما عكست شخصيتها، من تصاميم "سان لوران" إلى تلك اللحظات التي كانت تختار فيها كل قطعة بعناية لتلائم روح أغانيها.



وداع وحنين

ولتوديع جمهورها بأفضل طريقة ممكنة، أعدّت سيلفي فارتان عرضاً فنياً مميزاً، حيث كانت برفقة أحد عشر موسيقياً، وأربعة مغنّين، وسبعة راقصين. وانقسم العرض إلى خمسة مشاهد استعرضت فيها مسيرتها المهنية، من علاقتها بجوني هاليداي، إلى تعاونها مع "البيتلز"، مروراً بعالم الرقص ولاس فيغاس وفرنسا. وتخلّل كل مشهد مقاطع فيديو سلّطت الضوء على لحظات بارزة من مسيرتها.


وعدت جمهورها بمفاجآت خاصة ووفت. من ضمنها ثنائيات مع ضيوف مميزين. في مقابلة لها مع "Europe 1"، قالت: "عندما نغنّي، نكون عراة أمام الجمهور، نقدّم لهم أنفسنا بشكل كامل، وهذا رائع لأنهم يسمحون لنا بالحفاظ على روح الطفولة لفترة طويلة. أحبّ دائماً إضافة المفاجآت، لأنني لا أحب الرتابة أو الروتين".


على المسرح، استمرت الأغاني واحدة تلو الأخرى، بعضها في شكل "ميدلي". وفي لفتة تكريمية لجوني هاليداي، غنّت أغنية "Que je t'aime" قبل أن تستقبل "ضيفاً غالياً على قلبها"، ابنها ديفيد هاليداي، ليؤديا معاً أغنية "Idole des jeunes".



مُلهِمة الفنانين

أسلوب فارتان وصوتها وحضورها، شكّلت مصدر إلهام لأجيال من الفنانين، الممثلة إيزابيل أدجاني تتذكر أنّ "أول أسطوانة اشتريتها من مالي الخاص كانت لسيلفي فارتان "La Plus Belle pour aller danser". كنت أراها جميلة جدّاً في الصور إلى جانب الشاب الوسيم جوني هاليداي".


أما الفنان ريتشارد أنتوني، الذي عاصر فارتان، فعنها يقول: "منذ البداية، كان واضحاً أن هذه الفتاة ستصنع مسيرة عظيمة… نادراً ما رأيت شخصاً طموحاً مثلها… إنّ النجاح جزءٌ لا يتجزأ من شخصيتها".



المسرح الشافي

في وقوفها الأخير على المسرح خاطبت فارتان جمهورها بالقول: "أنا سعيدة جدّاً بوجودي هنا، في هذه القاعة التي عشت فيها لحظات جميلة معكم. أشعر بقلبي ينبض بقوة الليلة. أرغب أن أشارك معكم اللحظات المهمّة في حياتي والأشخاص الذين كانوا جزءاً مهماً من مسيرتي الفنية". ثم أضافت لاحقاً: "عندما كنت في السابعة عشرة، لم أكن أتخيّل أبداً أن أصل إلى يوم مثل هذا". كما اعترفت أنها كانت تشعر بالخوف من هذه الحفلات الأخيرة، قائلةً: "لكن في النهاية، الوقوف على المسرح يشفي من كل شيء". أنهت سيلفي العرض بمجموعة من الأغاني مثل "الحب مثل السيجارة" و"ما الذي يجعل الشقراوات يبكين"، لتقول إن الحياة تستمر.


انتهى العرض، وسيلفي فارتان (80 عاماً)، تقف على المسرح أمام جمهور يصفّق بحرارة، يرمي الورود، ويصرخ باسمها. بمغادرتها المسرح، تترك سيلفي فارتان خلفها إرثاً موسيقياً غنياً وذكريات لا تُنسى. ومع ذلك، فإن وداعها لا يعني اختفاءها من قلوب معجبيها، بل هو احتفال بمسيرة فريدة ستظل محفورة في ذاكرة الموسيقى الفرنسية.



من البداية حتى القرار الصعب


وُلدت سيلفي فارتان في بلغاريا عام 1944. بعد هجرتها إلى فرنسا، بدأت مسيرتها الفنية في الستّينات بأغنيات ناجحة مثل "La plus belle pour aller danser" و "Comme un garçon". عام 1965، تزوجت من زميلها جوني هاليداي، ليشكّلا معاً ثنائياً أسطورياً في الساحة الموسيقية الفرنسية. وعلى الرغم من أنّ علاقتهما الزوجيّة كانت مضطربة، إلا أنّها ساهمت في بناء أسطورة فارتان.


وفي تصريح لصحيفة "Le Parisien" في كانون الثاني الماضي، قالت حول قرارها التوقف عن الغناء على المسرح "لم يكن اتخاذ هذا القرار سهلاً، فالمسرح كان دائماً بيتي الثاني. لكن حان الوقت لأمرّر الشعلة إلى الجيل الجديد من الفنانين". كما أعربت عن امتنانها العميق لجمهورها الذي دعمها طول مسيرتها، مضيفةً: "سأظل ممتنّة إلى الأبد لكلّ الحب والدعم الذي تلقّيته. كل حفل، وكل لقاء مع جمهوري، كان مصدر فرح هائل بالنسبة لي".


ومن بين الذكريات المميزة التي استرجعتها، كانت اللقاء بالنجم إلفيس بريسلي عام 1965. وممّا قالته: "كان إلفيس مصدر إلهام حقيقي. لقاؤه كان أحد أكثر اللحظات التي لا تُنسى في مسيرتي".