طارق أبو زينب

الغضب يتمدّد داخل البيئة الشيعية والحرب تهزّ حاضنة "الحزب"

4 دقائق للقراءة
بات كثير من النازحين يرون الحرب دمارًا لا شعارات أيديولوجية (رويترز)

لم تعد حالة الغضب داخل البيئة الشيعية في لبنان مجرّد همس يُتداول في المجالس المغلقة أو خلف أبواب مراكز النزوح، بل بدأت تتحوّل تدريجًا إلى اعتراض علني يطال هذه المرة ليس فقط "حزب الله"، بل إيران والحرس الثوري مباشرة، بعدما شعر كثير من النازحين بأنّ الحرب التي رُفعت تحت شعار "الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي" انتهت بكارثة إنسانية واجتماعية دفعت الطائفة الشيعية وحدها القسم الأكبر من أثمانها البشرية والمعيشية والسياسية.

وبحسب أجواء ميدانية وشهادات متقاطعة من مراكز الإيواء في أكثر من منطقة لبنانية، فإنّ حجم النقمة داخل الشارع الشيعي تجاوز السقف التقليدي للاعتراض، وبدأ يظهر حتى داخل صفوف مناصري "حزب الله" وحركة "أمل". فالحرب التي كان يُفترض أن تُدار تحت عنوان "الدفاع والمواجهة" تحوّلت إلى عبء ثقيل دمّر المنازل وقطع مصادر الرزق، فيما تُرك الأهالي يواجهون وحدهم النزوح والفقر والدمار، بالتزامن مع تكريس الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على أكثر من 68 بلدة جنوبية وتحويل مساحات واسعة من الجنوب إلى مناطق منكوبة.


الحرب تتحوّل إلى عبء داخل البيئة الحاضنة

وتؤكد مصادر مطلعة لـ "نداء الوطن" أنّ الخطاب العقائدي الذي اعتاد "حزب الله" استخدامه لشدّ العصب داخل بيئته لم يعد قادرًا على احتواء حجم الغضب المتراكم، خصوصًا مع اتساع الهوّة بين الشعارات السياسية والدينية والواقع المعيشي القاسي الذي يعيشه النازحون. فقرابة مليون ونصف مليون لبناني من أبناء الجنوب والضاحية يعيشون ظروفًا إنسانية شديدة الصعوبة، في ظل غياب أي أفق واضح للعودة أو خطة جدّية لإعادة الإعمار.

وتضيف المصادر أنّه رغم استمرار قيادات "حزب الله" في توجيه رسائل الشكر إلى إيران والتأكيد على دورها في دعم "المقاومة"، فإنّ شريحة واسعة داخل البيئة الشيعية باتت ترى تناقضًا صارخًا بين هذا الخطاب وواقع يتدهور يوميًا اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا، ما يعمّق فجوة الثقة داخل البيئة نفسها.


حماية إيران تشعل الجدل

وفي موازاة ذلك، أثارت تصريحات لقياديين في "حزب الله" جدلا واسعًا داخل الشارع اللبناني، بعدما اعتبر بعضهم أنّ حماية إيران تُشكّل "واجبًا دينيًا" يتقدّم على حماية الدولة اللبنانية، باعتبار أنّ الجمهورية الإسلامية تمثّل، وفق توصيفهم، الضمانة الأساسية لخيار المقاومة، في سياق يستند إلى مفاهيم التضحية وولاية الفقيه.


النازحون يسألون: إلى أين؟

إلا أنّ هذا الخطاب لم ينجح في احتواء حالة الاحتقان، بل زاد من اتساع التوتر داخل البيئة الحاضنة، حيث بات كثير من النازحين ينظرون إلى الحرب من زاوية الخسائر والدمار، لا من زاوية الشعارات الأيديولوجية. وبرز سؤال متكرر داخل المجالس الشعبية حول جدوى استمرار المواجهة، بعدما تحوّلت مناطق كاملة إلى ركام، وتآكلت القدرة المعيشية للأهالي بشكل غير مسبوق.

وتشير أوساط مطلعة إلى أنّ أخطر ما يواجهه "الثنائي الشيعي" اليوم لا يتمثّل فقط في حجم الخسائر، بل في اهتزاز المزاج الشعبي داخل بيئته التقليدية، مع اتساع الهوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي المنهار، وما رافق ذلك من خطاب مؤدلج وتخويني في مواجهة مكوّنات لبنانية أخرى، ما ساهم في تعميق حالة النفور داخل شرائح متزايدة من البيئة الحاضنة.


اتهامات مباشرة لإيران

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ترتفع داخل البيئة الشيعية أصوات تتهم إيران بأنها خاضت معركتها الإقليمية على الأرض اللبنانية، فيما دفع أبناء الجنوب والضاحية والبقاع الثمن الأكبر من دمائهم ومنازلهم ومستقبلهم، في وقت تتراجع فيه الثقة بإمكانية احتواء الانهيار أو إعادة ترميم ما خلّفته الحرب.

ومع استمرار المواجهات وتعقّد مسار المفاوضات، تبدو حالة الغضب مرشّحة لمزيد من التصاعد، خصوصًا إذا طال أمد النزوح واستمرت الحرب من دون أي خطة واضحة لإعادة الإعمار. وفي ظل هذا المشهد، يشعر كثير من الأهالي بأنهم خسروا كل شيء، فيما تتمسّك القيادات السياسية والعسكرية بخطاب "الصمود والانتصار"، رغم أنّ حجم الكارثة بات أكبر من قدرة الشارع على الاحتمال.

وبينما تتواصل الحرب بلا أفق واضح، يتسلّل إلى داخل البيئة الشيعية شعور متزايد بأنّ المعركة لم تعد مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل تحوّلت إلى اختبار وجودي يهدّد ما تبقّى من الاستقرار الاجتماعي والنفسي داخل الطائفة نفسها، في أخطر اهتزاز داخلي يواجهه "حزب الله" منذ سنوات طويلة.