د. هادي مراد

6 شباط 2025: "انتفاضة من الباب الورّاني"

3 دقائق للقراءة

يخبرنا التاريخ عن أيّام معينة تُسجّل في الذاكرة، فتصبح علامات فارقة تُعيد ترتيب الحسابات، وتحكم على من لم يتعلّم من أخطائه. بعض التواريخ تأتي لتذكّرنا بأن الدروس لا تُنسى، وأن الماضي قد يعود، لكن بوجوه مختلفة، وأحياناً بعقاب أشد قسوة.


في 6 شباط 1984، خرجوا ليقلبوا اتفاق 17 أيار، ذلك الاتفاق الذي وُصف بالخيانة يومها، فرموه وسهامه إلى الداخل، ليؤكدوا أنهم لا ينتفضون إلا على أهلهم، لا على العدو. كانوا هم أنفسهم الحاكمين والمحرّضين والمنقلبين، وكان الداخل دائماً مسرح استعراضهم، حيث يُمارسون شعاراتهم، لكن دون مواجهة حقيقية مع الخارج.


وبعد أكثر من ثلاثة عقود، في عام 2024، وقعوا في الفخّ ذاته، ولكن هذه المرة أمام العدو مباشرة. أولئك الذين ألغوا اتفاق 17 أيار باعتباره مذلًا، وقّعوا على ما هو أذلّ منه، بل بما يجعل اتفاق 17 أيار يبدو كأنه كان رحمةً بالمقارنة. ففي اتفاق وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين عام 2024، استسلموا تماماً، لم يفاوضوا، بل خضعوا، لم يساوموا، بل وقّعوا الوثيقة وهم أضعف مما كانوا عليه يوم أسقطوا 17 أيار.


6 شباط الجديد... ولكن من "الباب الورّاني"


التاريخ يُنصف نفسه، وها هو 6 شباط آخر يُكتب، لكن هذه المرة ليس على أيديهم، بل عليهم. كانوا يعتقدون أنهم يحتكرون الانتفاضات، وأنهم يقررون متى وكيف تكون الثورة، ولكن هذه المرة وجدوا أنفسهم خارج المشهد، مُجبرين على الخروج من الباب الخلفي، بعد أن أُغلق الباب الأمامي في وجوههم.


هؤلاء الذين كانوا يوزّرون حثالة الأمة في حكوماتهم، ويستخدمون الدولة كأنها غنيمة، لم يُمنحوا هذه الفرصة اليوم. قيل لهم بوضوح: "إلعبوا غيرها، زمن الأول تحوّل". لم يعد بإمكانهم فرض معادلاتهم، ولا استغلال سطوتهم، ولا التلاعب بمصير البلاد كما فعلوا لسنوات. وحين فهموا أن قواعد اللعبة تغيّرت، لم يبقَ لهم سوى الانتفاض غضباً، ولكن هذه المرة من الباب الخلفي.


هكذا عادوا أذلاء، هؤلاء الذين حملوا الشيعة إلى المهوار، وأوهموهم أن مصير الطائفة مرتبط بسلطتهم، وأن خسائرهم خسارة للجميع، بينما أرباحهم كانت دائماً لهم وحدهم. هؤلاء الذين تقاسموا السلطة تحت شعار حماية الطائفة، اليوم تُركوا في منتصف الطريق، بلا سند، بلا غطاء، بلا قدرة على التحايل على الواقع الجديد.


6 شباط حقيقي: من يقفز على الدستور يسقط في القعر



ما حصل في 6 شباط 2025 هو إعادة تصحيح لمسار طويل من الانقلابات والتلاعب بالمؤسسات. هذه المرة، لم يكن المشهد عن انتفاضة لتغيير السلطة، بل عن انتفاضة لحماية الدولة من الذين اعتادوا التلاعب بها. من أراد أن يقفز على الدستور اليوم، وجد نفسه في القعر، لا في الحكم.


يمكنهم أن "يحردوا"، يمكنهم أن يغضبوا، يمكنهم أن يخرجوا من الباب الخلفي، ولكن لن يُسمح لهم بعد اليوم بالتحكم بمصير البلاد كما فعلوا لعقود. إن كانوا يريدون العودة، فعليهم أن يفهموا أن الأبواب الخلفية لن تعيدهم، وأنه لا ملجأ لهم سوى العودة من الباب الأمامي، بشروط الدولة، لا بشروطهم.


الوطن هو الملجأ... فإما العودة إليه أو مواجهة مؤخرات التاريخ


ما حصل في 6 شباط 2025 ليس مجرد محطة سياسية، بل هو رسالة واضحة إلى كل من اعتقد أن بإمكانه تكرار سيناريوات الماضي. الوطن وحده هو الملجأ، ومن يرفض الاعتراف بذلك، سيسقط في هوة التاريخ، حيث لا مكان سوى للخاسرين والمنبوذين.


الباب الأمامي مفتوح فقط لمن يحترم الدولة والدستور، أما الآخرون، فمكانهم عند الباب الخلفي.. أو في قعر البئر!