جولي مراد

بايدن VS ترامب... من فاز في أول مناظرة؟

1 تشرين الأول 2020

02 : 00

بديهيّ لمن تابع المناظرة "الشتائمية" بامتياز بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب والطامح الى خلافته المرشح جو بايدن، أن يحاول بفضولٍ قراءة تردّداتها في الجماهير الناخبة بحثاً عما يشي بميلان الكفة نحو هذا المرشح أو ذاك. فالمناظرة الأولى تكتسي أهمية قصوى لدى الأميركيين خصوصاً أنها تطلق عجلة المنافسة المحمومة بين المرشحين وتظهر أرجحية لطامحٍ على آخر. ورغم أنّ المناظرة حظيت بنسبة عالية من المشاهدة، إلا انها عكست في الوقت عينه تململاً واضحاً لدى أغلبية النقاد والأوساط الفكرية والمثقفة التي عبّرت عن استيائها من الأسلوب "الوضيع" المتّبع خلالها. وليس الامتعاض هنا بمستغربٍ، فهي أول مناظرة بتاريخ الولايات المتحدة تحتوي على هذا الكمّ الهائل من العبارات المبتذلة والشتائم المتبادلة بعدما كانت في زمنٍ مضى، وقبل دخول ترامب الى معتركها تحديداً، مساحة نقاشٍ فكريّ وحلبة "مبارزة" مشاريع وأفكارٍ "مبتكرة"، وليس ردحاً من الاتهامات المتبادلة والمضمون "الخفيف"، وهو ما حدا بميتشل ماكيني، المحاضر في جامعة ميزوري وخبير المناظرات التي استحدثت في العام 1960، الى التعليق بأنها "أكثر المناظرات الرئاسية فوضى وعدائية في تاريخ الولايات المتحدّة".

وعلى الرغم من أنّ كلاً من الطرفين رفع راية الفوز، ترامب لاستمراره على نهجه المعهود في "عرض العضلات" باستعراضيةٍ موصوفة، يغوي بها أساساً قاعدته الناخبة من البيض خصوصاً، وبايدن لنجاحه في كسر صورة "الناعس" التي سوّقها عنه خصمه لمجرّد صموده لما يربو على التسعين دقيقة وقوفاً، يبدو أنّ الأمور لم تسر فعلاً نحو حسمٍ نهائي لفائزٍ أوحد، وإن بدا بوضوحٍ نوعاً ما بأنّ ترامب كان عدو نفسه بإفراطه في كيل الشتائم بدلاً من التركيز على أفكار محورية، فيما ظهر بايدن قادراً على تجاوز الاهانات ومتقناً للعبة الكاميرا بإمعانه في النظر إليها مباشرة متجاهلاً خصمه، وكأن ما يعنيه من اللقاء كان مخاطبة الشعب الأميركي فحسب.

وإن كان عدد لا يستهان به من الاستطلاعات أظهر تقدماً طفيفاً لبايدن على ترامب مقابل استطلاعات أخرى تنفي هذا الواقع، إلا أنّ المؤكد هو أنّ 69% من المشاهدين امتعضوا من أجواء المناظرة، حتى أنّ بعض الشاشات، ومنها "سي.ان.ان" أفرد مساحةً لدراسة مدى إسهام المناظرة في رفع ضغط المشاهدين وزيادة شعور المواطنين بالاحباط ممّا آل إليه المستوى السياسي في البلاد، مع نصائح لمحاولة تخطي الأثر الصحي بتمارين "استرخاء" وتقنياتٍ تبعد شبح "القلق".

لا يمكن مع ذلك التعويل على اللقاء المفصلي هذا بحدّ ذاته لاستخلاص نتائج أكيدة، خصوصاً حين نتذكّر أنّ المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون فازت في العام 2016 بالمناظرات الثلاث أمام ترامب، لتخسر الرئاسة رغم تنبؤ كل الوسائل الاعلامية والاحصائية بعكس ذلك. ويتفوّق بايدن على ترامب، خلافاً لكلينتون، في قدرته على الاحتكام إلى السنوات الأربع لولاية ترامب، ومن هذا المنطلق لم يتوان عن التذكير بحصيلة كوفيد-19 البالغة 200 ألف وفاة، متهكماً بأنّ الولايات المتحدة "تشكل 4% من سكان العالم ولديها 20% من الوفياتّ".

ويبدو أن سياسة "نبش" الاخطاء ستكون نهجاً أكيداً في ما تبقى من مسيرة بايدن الانتخابية، خصوصاً أنه لمس ثغرة جوهرية لدى خصمه متمثلةً بعجزه عن التنديد بالمنادين بتفوق البيض مثل "براود بويز"، المسؤولين عن أعمال عنف ضدّ مناهضين للعنصرية في حركة "بلاك لايفز ماتر"، وهي نقطة ضعف يجهد بايدن لاستغلالها في سبيل عكس التقدّم الذي سجلّه خصمه لدى الناخبين السود في الاستطلاعات الأخيرة مقارنة بالأرقام التي سجلها خلال انتخابات رئاسته الأولى. فحين طرح عليه سؤال حول هذه الحركة بدا ترامب غامضاً مكتفياً بدعوة أفرادها إلى "التراجع والبقاء جاهزين".

ومهما يكن من امر، يستمرّ المرشحان بجولاتٍ انتخابية مكثفة لتوسيع قاعدة الناخبين وصولاً الى مناظرتين في 15 و22 تشرين الاول على التوالي في ميامي بفلوريدا وناشفيل في تينيسي، ولا شكّ في أنّ الأجواء لن تخلو، حتى الموعدين المرتقبين، مما يثير الفضول والاستغراب ومن مقدار لا يستهان به من الترفيه التلفزيوني "الاستعراضي"!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.