ريتا عازار

كلّنا نشبه بعضنا حتى إشعار آخر

الوجه فطيرة منتفخة والشعر بساط طائر

6 دقائق للقراءة
آخر موضة

من زمان كانت هناك وجوه تعبّر عن المشاعر، تتجعّد عند الغضب، تضيء عند الفرح، وترتخي عند التعب. ثم جاء زمن الحداثة، ومعه اكتشف البشر أنّ التجاعيد ليست علامات حياة، بل أخطاء تقنية تستوجب الإصلاح الفوري! هكذا وُلدت صناعة "نفخ وترميم البشر"، حيث لم يعد التجميل مجرّد تحسين، بل عملية إعادة إعمار شاملة، كأنّ الوجوه مناطق منكوبة بحاجة إلى تدخّل المنظّمات الدولية!



اليوم، إن دخلتم إلى قاعة الانتظار في أي عيادة تجميل، فستجدون أنفسكم في فيلم خيال علمي: شفاه منتفخة كأنّ أصحابها ابتلعوا أسراب نحل، خدود ممتلئة لدرجة أنها قد تحتاج إلى رقم تسجيل في وزارة الصحة، وحواجب مشدودة إلى الخلف وكأنّ الرياح تعصف بها طوال الوقت! أما الرجال، فقد قرّروا ألا يبقوا في الخلف، فدخلوا ساحة التجميل وكأنها حرب لا رجعة منها، وخرجوا منها بأشكال تجعل تماثيل الشمع تشعر بالخجل من ثباتها الطبيعي!

استعدوا، فالقادم سيجعلكم تضحكون حتى تدمع عيونكم. طبعاً، إلّا إذا كنتم قد خضعتم لحقن البوتوكس، ففي هذه الحالة، ستظل وجوهكم متجمّدة في وضعيّة "الاندهاش الأبدي"!




مدام Baking Powder

لطالما كانت الخدود علامة على الصحّة، لكننا لم نكن نتصوّر أنّ بعض النساء سيأخذن الفكرة بجدية زائدة إلى حدّ أنّ وجوههنّ ستصبح وسائد طبيّة صالحة للاستعمال في حالات الطوارئ. تجلس إحداهن في المقهى، تحاول أن ترتشف قهوتها، فتكتشف أن شفتيها الجديدتين لا تعملان وفقاً لقوانين الفيزياء الطبيعية، فتنسكب القهوة على وجنتيها. لكن لا بأس، فالفيلر يعزل السوائل مثل الإسفنج العالي الجودة!



ثم تأتي اللحظة الحاسمة عندما تبتسم السيّدة المنتفخة، ولكن بدلاً من أن تتحرّك ملامحها، يتحرّك فقط ظلّها على الجدار، لأنّ الوجه بأكمله قد تمّ تجميده بدرجة تجعل تمثال الشمع يشعر بالإحراج. وعندما تحاول رفع حاجبها استغراباً من الأسعار في المطعم، تكتشف أنّ الحاجب قد هاجر إلى منطقة أخرى، لأن الخيوط شدّته حتى أصبح فوق الأذن مباشرة.

المأساة لا تنتهي هنا! تصوّروا أن تهبّ الرياح بقوة، وتتحرّك الرّموش الاصطناعية كأنها جناحا فراشة تحاول الهروب، فتُضطرّ السيّدة إلى تثبيتها بيدها كي لا تطير وسط الشارع. هذا ليس جمالاً، هذه رياضة تتطلّب لياقة ذهنية وجسدية!




السيد "باروكة"

لا تحسبوا أنّ الرجل سلم من الكارثة. فمنذ متى كان الصلع أو الشيب أمراً مخجلاً؟ كان رجال أيام زمان يلمّعون رؤوسهم ويفتخرون بلمعة الحكمة، لكنّ الجيل الجديد قرر تغطية الحقيقة بطبقات من زراعة الشعر التي تُنفّذ بأسلوب يجعل المظهر النهائي وكأنّ الشخص يرتدي سجادة حشيش فوق رأسه.



يجلس أحدهم في السيارة، يفتح النافذة قليلاً، وإذا بالشَّعر المزروع يبدأ في التمايل كموج البحر، وكأنّ الهواء يذكّره بأنه في الأصل غريب عن هذا الرأس. والمشكلة ليست فقط في الزراعة، بل في الألوان الغريبة! تجد رجلاً في الستين بشعر أسود فاحم وكثافة تجعل الدبّ القطبي يغار منه، فيبدو وكأنه مستعدٌ لتصوير مسلسل مكسيكي في أية لحظة، أيها العزيز السبعيني المفحّم الشعر ثمّة طرق مدروسة تجعلك تبدو جذاباً عوض أن تبدو مهرّجاً، هل سبق لك أن تمعّنت في شيبة الشيخ أمين أو شيبة ناصر السعيدي؟ (مع حفظ الألقاب طبعاً) إن لم تفعل فتمعّن!



المواقف الحرجة تتوالى! الرجل الوسيم المزروع شعره حديثاً يذهب للسباحة بثقة، فيخرج من الماء ليجد أنّ بعض "المزروعات" قد بدأت بالرحيل. وما أصعب لحظة إدراك أن شعره المبلّل لم يعد يتناغم مع رأسه، بل صار كالعشب الصناعي بعد المطر. فيحاول أن يجمعه بسرعة قبل أن يلاحظ أحد، لكن للأسف، يكون قد فات الأوان!




نسخ مشمّعة 

في الماضي، كان السياسي يُعرف بخطاباته النارية ومواقفه، وإنِ المتغيّرة حسب الطقس السياسي. أما الإعلامي فكان يُعرَف بلسانه الحاد وقلمه اللاذع. لكن اليوم، صار الاثنان يُعرَفان بجباه ملساء لا تتحرك، وشفاه مشدودة تنطق بصعوبة، وحواجب مرتفعة كأنها في حالة دهشة أبدية!



السياسي الذي كان يُفترض أن يكون رجلاً من زمن المعارك والمفاوضات، أصبح اليوم مهووساً بإخفاء تجاعيده وكأنها أدلّة إدانة في محكمة التاريخ. يظهر على الشاشة مشدود الوجه أكثر من اللازم، فيبدو وكأنه تعرّض لتصادم مباشر مع شاحنة تجميلية. وحين يحاول التعبير عن الغضب، لا تتحرك عضلة واحدة، وكأن انفعالاته دخلت الحجر الصحي إلى أجل غير مسمّى!


أما الإعلامي، الذي كان شعاره "قول الحق ولو على رقبة الراتب"، فقد أصبح وجهه مشبعاً بالبوتوكس لدرجة أن ملامحه لا تتغير حتى لو سمع أهمّ خبر عاجل في حياته. كان في الماضي يرفع حاجبه استنكاراً، أما اليوم فحاجبه لا يرتفع إلا بأمر الطبيب المختص، وبموعد مسبق. وعندما يحاول الابتسام تبدو شفتاه وكأنهما مثبّتتان بمسامير خفية، فينتهي به الأمر بابتسامة تشبه تعبيرات تمثال فرعوني قديم.




مستقبل التجميل إلى أين؟

مع تقدّم التكنولوجيا، لا نعرف إلى أين سيصل بنا هذا الهوس. اليوم لدينا الفيلر والبوتوكس والخيوط الذهبية، وغداً ربما سنجد خدمات تجميل فورية مثل "انفخ وجهك في عشر دقائق وأنت في طريقك للعمل"، أو "خدود ثلاثية الأبعاد تدوم حتى 5 سنوات أو أول موجة حرّ شديدة".



وقد يأتي اليوم الذي يصبح فيه الوجه قابلاً للنفخ والتفريغ حسب المناسبة، تماماً كما ننفخ الوسائد الهوائية في السيارة! تصحو السيدة صباحاً، تبرمج جهازها: "اليوم أريد خدوداً خفيفة وشفتين معتدلتين"، وعند العشاء، تقوم بتعديل الإعدادات إلى: "وجهي في وضعية السهرات الفاخرة".



أما بالنسبة للرجال، فقد يطوّر العلماء شعراً ذكياً يتصل بالواي فاي، فيستطيع تغيير شكله ولونه حسب الطقس والمزاج. لن يكون غريباً أن نسمع أحدهم يقول: "لحظة، شعري يقوم بتحديث جديد!"




لا للتخريب

أُقسِمُ بحبّي للجمال وبأولادي العشرة أنني لست ضد التجميل، فالعناية بالمظهر حق وضرورة. لكن عندما يتحوّل الأمر إلى سباق محموم ضد الزمن، وعندما يبدأ الجميع يشبهون كائنات بلاستيكية خرجت من مصنع الدمى، فهنا يكمن الخطر. جميل التجميل بلمسة ناعمة، لا بعملية تحويل الوجه إلى مخزن للهواء المضغوط. لذا، أيها البشر الجميلون، خذوا الأمور بروية، واتركوا بعض العيوب، فهي التي تجعلكم مميزين وأقل عرضة للانفجار عند التعرض للحرارة العالية!

والآن، أخبروني، هل أنا الوحيدة التي تشعر أنّ بعض الوجوه اليوم تبدو وكأنها مصنوعة من العجينة المطاطة؟ أم أنني بحاجة إلى زيارة طبيب عيون؟




شفاه محاصرة... بالنحل



تجميل ورعب



مَلَكت المجد الكامل



في الانتظار



تلوين بعد الزراعة؟