مع التقدير لأي طرح تم تقديمه في مجلس النواب خلال مناقشة الثقة للحكومة، يهدف إلى "إعادة تصويب المسار الوطني" وأي رؤية سياسية تسعى إلى تحقيق التوازن والاستقرار، يبقى أن ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي تقتضي اعتماد نظام اتحادي أو فدرالي يضمن لكل مكوّن حقوقه الكاملة وحريته في صياغة سرديَّته التاريخية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، يصبح احترام كل منطقة ومكوّن لسردية الآخر والاعتراف بـ"أبطاله" واجباً لا يتحقق إلا بعد إقرار الحقوق السياسية لكافة المكوّنات ضمن إطار لبنان اتحادي يُجَسِّد وحدة "اتحادية" للبنان دون إغفال ضرورة صون تنوّعه.
بذلك، يصبح "الاتحاد" دستوراً لضمان وحماية المكوّنات من أي تهديدات ومخاطر، واعتبار أن تعدّد السرديّات هو جزء لا يتجزأ من الرواية اللبنانية الواحدة، ولكن في صيغة اتحادية أو فدرالية جامعة.
ألم يحن الوقت لطرح، من أعلى الممثلين الروحيين والسياسيين للبنانيين، مسار جديد أكثر واقعية؟ نظام يحقق التوازن الفعلي بين المكوّنات، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً بعيداً عن محاولات فرض رؤية واحدة على الجميع؟
إن الاستمرار في تجاهل هذا الطرح، رغم كل التجارب الماضية، لم يؤدِ إلا إلى مزيد من التعقيد، حيث تبقى المشاكل نفسها تعيد إنتاج ذاتها، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.
والمسألة ليست تطرّفاً، بل وعياً مطلقاً وابتعاداً عن المغامرات والنزعات لدى جميع الفرقاء، بمن فيهم نحن أنفسنا — فلا أحد قادر على إلغاء الطائفية السياسية، لا في لبنان ولا في المنطقة، حتى في هذا العهد ورئيسه، ورئيس الحكومة الحالي لا ينبغي أن يتوهّمون قدرتهم على تحقيق المعجزات في هذا الإطار تحديداً.
وإذا كانت النية فعلاً خدمة لبنان واللبنانيين بمختلف انتماءاتهم، فليكن المدخل الحقيقي عبر فتح حوار جدّي حول خيار لبنان الاتحادي أو الفدرالي، رأفةً بالأجيال القادمة وما تَبَقّى من أعمارنا.