بعد أكثر من ثلاثين سنة على نهاية الحروب الداخلية، جمع الإعلامي والمسعف السابق رائد جرجس شهادات حيّة لعشرات المسعفين والمسعفات واﻹداريين السابقين في "الصليب اﻷحمر اللبناني"، ضمن كتاب "أبيض أحمر - مسعفو الصليب اﻷحمر ﻷول مرة عن الحرب"، الصادر عن "دار سائر المشرق".
يضيء جرجس في الكتاب على التضحيات التي قدّمها رفاقه في أصعب الظروف بين سنتَي 1989 و 1990. من خلال هذه الشهادات التي تضم تفاصيل قاسية، أراد الكاتب أن يوصل رسالة واضحة أنّ للحروب أثماناً باهظة على مختلف المستويات وخصوصاً الداخلية منها بين أبناء الوطن، آملاً أن يقرأ الجيل الجديد ويتّعظ من تلك التجربة.
حرب الإلغاء - المعارك في جونيه وضبيّه
مع احتدام المعارك في اليوم الأول والثاني، بدأ عدد الإصابات بالازدياد، وكذلك عدد القتلى من الطرفين. توجّهتُ إلى "مستشفى سيدة لبنان" مع كميل مرعي وميلاد الحاج ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا. لم يكن المقر الدائم للمساعدة "Poste de secours" قد استُحدث بعد في المستشفى. وصلنا إلى الطوارئ، فأشارت إلينا ليلى (الممرّضة المسؤولة في طوارئ المستشفى) إلى الممر الجانبي. دخلنا، فرأينا أربع جثث ممددة على محامل. عناصر من "القوات اللبنانية" في بزّاتهم العسكرية في العقد الثاني والثالث من العمر. كان المشهد مؤثّراً، أدركتُ أن التكلفة البشرية ستزيد مع كلّ إشراقة شمس في حال لم تتوقّف المعارك. فكّرت في أمهات هؤلاء الشباب وإخوتهم وكيف سيتلقّون خبر فقدانهم. لم تكن تظهر عليهم أو على ثيابهم آثار إصابات بليغة. لا أعرف كيف أصيبوا وأين. لكنني رأيت بعض قطرات من الدم على المحمل. كانت بزّاتهم جديدة ونظيفة، وكذلك أحذيتهم ذات اللون البُني. وضعنا الجثث في أكياس النايلون وتوجّهنا بها على دفعتين إلى "برّاد طبّارة" في ذوق مكايل.
جثث في الأكياس
عند دخولنا البرّاد أصبح المشهد أكثر قسوة. أحصيتُ 17 جثّة حين دخلت، غير الأربع التي نقلناها، معظمها لعناصر "القوات" في بزّاتهم العسكرية، وبعضها الآخر لمدنيّين مجهولي الهوية. لم تكن الجثث توضع في أكياس نايلون في الأيام الأولى من المعارك، بل تُنقل بسرعة إلى برّادات المستشفيات، ومنها إلى "برّاد طبّارة" الذي ضمّ العدد الأكبر منها بسبب قدرة الاستيعاب القليلة في المستشفيات. بدأ مسعفو "الصليب الأحمر" بوضع الجثث في أكياس النايلون عندما يقومون بنقلها من مكان إلى آخر، خصوصاً لتفادي انبعاث الروائح والمنظر القاسي لبعضها بسبب طبيعة الإصابة أو حالة الجثّة مع مرور الزمن. وبسبب ازدياد عدد الجثث، قرّرنا توضيبها بالشكل المناسب لكي يتّسع المكان لعدد أكبر منها في الأيام القادمة… تساعدنا أنا ومرعي والحاج على ترتيب الجثث، وتوجّهنا مرة ثانية إلى المستشفى لنعود بالجثتَين الأخريَين إلى البراد.
يتذكّر جان بيار جعجع المكان أثناء مهمّة قام بها خلال تلك الفترة. "كان مشهداً مؤثّراً عندما دخلنا إلى البرّاد الكبير حيث عشرات الجثث، ومعظمها من عناصر "القوات اللبنانية" في بزاتهم العسكرية. كانت الديدان بدأت تظهر في بعض الجثث. واقتضت مهمّتنا أن نرافق الأهالي الذين أتوا للتعرّف على جثث أولادهم. فكنّا نفتح أكياس النايلون ليتأكّد الأهل من الجثّة التي يبحثون عنها ليأخذوها ويقيموا الصلاة عليها. موقف صعب جدّاً طبع ذاكرتي وجعلني أتساءل عن الحرب وأسبابها ونتائجها".
بقي في "مركز جونيه" عدد كبير من المسعفين وأنا من ضمنهم، ليل 31 كانون الثاني وصباح الأول من شباط بعد نوع من "الاستنفار". وصل إلى المركز من استطاع خلال النهار، خصوصاً من الذين يقطنون في منطقة جونيه وضواحيها، قبل بدء المعارك داخل المدينة في عدة مواقع. عند حلول المساء في 1 شباط، بدأت قذائف الهاون من العيار الصغير بالتساقط قرب المركز (رأينا آثارها على الطريق المحاذية للمركز صباح اليوم التالي). تجمّع معظم المسعفين في غرفة الاستراحة، الأكثر أماناً نسبياً، وبقي بعض المسعفين في غرفة العمليات وفي البهو. استمر سقوط القذائف بشكل متقطّع لعدة دقائق… كان "الملعب البلدي" قاعدة جوية وفيه مهبط للطائرات ومركز صيانة يضم عشرات العسكريين والطيارين… سمعنا بعد لحظات خطوات وأصوات عناصر "القوات"، وهم يتقدّمون نحو الملعب من محيط المركز. لم تحصل معركة فعليّة باستثناء طلقات نارية قليلة سمعناها بالقرب من "سراي الدَّرَك"، سرعان ما توقّفت. عرفنا بعدها أن عناصر الجيش استسلموا، كما أخبرنا عنصر من "القوات" جاء إلى المركز، بعد انتهاء الهجوم ومعه عنصران من الجيش. لم يكن العنصران مصابين، وإنما يعانيان من غثيان ويشعران بالبرد، وهذه من علامات الصدمة "état de choc". قدّمنا لهما الشاي ودواء لوجع الرأس وبطانيّات لتدفئة الجسم. نام العسكريان في المركز، وطلب أحدهما أن نوصله إلى صربا في صباح اليوم التالي. أما العسكري الثاني، فكان خائفاً جداً ومكث في المركز يومين أو ثلاثة. كان يقول لنا "إذا خرجت سيقتلوني…".
القاعدة البحرية
بعد انتهاء الهجوم كنا في البهو الكبير، وكنتُ أقف على أول الدرج الذي يؤدّي إلى المستوصف في الطابق العلوي. فجأة سقطت قذيفة على سكّة الحديد، وهي تبعد أمتاراً قليلة عن حائط المركز. تكسّر زجاج النوافذ على الدرج من ناحية السكة، واهتزّ المركز بأكمله من عصف القذيفة ولم يُصب أحد منا. اتّصلنا مباشرة بغرفة عمليات جلّ الديب، حيث كان جورج كتّانة، للقيام باتّصالاته مع الجيش لوقف القصف. يقول ميشال بابوش مستذكراً تلك الليلة: "بلّغنا كافة الأطراف أن هناك مركزاً "للصليب الأحمر" بالقرب من "الملعب البلدي" ليتمّ تحييده من مرمى القصف".
توجّهنا يوم 2 شباط إلى "القاعدة البحرية" في جونيه لنقل مصابين بعد معركة ضارية. وصلنا مع روجيه طانيوس وآخرين إلى الموقع وكان المشهد مهيباً. آثار القصف والرصاص ظاهرة على مبنى "القاعدة البحريّة" من كافة الاتّجاهات ورائحة بارود قوية لا تزال في الأجواء. ترجّلتُ من السيارة ورأيتُ بالقرب من السور الإسمنتي المحيط بالقاعدة ملّالة لـ "القوات اللبنانية" مصابة من الأمام ومحترقة بالكامل. عندما اقتربتُ من الآلية رأيتُ بداخلها رماد أشياء مختلفة ويداً مقطوعة من المعصم محترقة، بادية فيها العظام. كان السور الإسمنتي متضرراً في بعض الأمكنة (آثار رصاص وفجوة) ولكنه سليم نسبياً مقارنةً بمبنى القاعدة الذي تظهر فيه المئات من فجوات الرصاص والقذائف من مختلف الأحجام. كان على الطريق شظايا وأظرفة فارغة... نقلنا يومها بعض العسكريين المصابين إصابات طفيفة (لا أذكر العدد بالتحديد). في طريق العودة إلى المركز رأيتُ عدداً من عناصر الجيش بالقرب من "مستشفى سيدة لبنان" يمشون باتّجاه الكسليك أو صربا وهم في بزّاتهم العسكرية ولكن بدون أسلحة. في ذلك اليوم انتهت المعارك المتفرّقة في ساحل كسروان وسيطرت "القوات اللبنانية" على مواقع الجيش كافة في المنطقة ما عدا "موقع أدما".
استخدمت "القوات اللبنانية" حوض "القاعدة البحرية" بعد سقوطها لنقل الجرحى من منطقة الأشرفية، فكنا نتوجّه من "مركز جونيه" كلّ يوم تقريباً عند منتصف الليل لنقل مصابين حالتهم مستقرة إلى مستشفيات كسروان وجبيل أو إلى منازلهم. شاركتُ مرّات عديدة في هذه المهمّات، فكنّا نلبس الدروع الواقية والخوذات ونتوجّه إلى "القاعدة البحرية" بعد أن نتلقّى اتّصالاً من "القوات" يؤكّد قرب وصول الطراد البحري أو وصوله. وعندما نصل إلى مدخل القاعدة كنا نضيء كافة الأضواء في سيارة الإسعاف، الخارجية منها والداخلية، لكي يرونا من مواقع الجيش في أدما ولا يقصفوا المرفأ…
