وائل خير

منعطف مزرعة يشوع

4 دقائق للقراءة

الطريق الأسرع إلى أوتوستراد المتن من حيث أُقيم تمرّ ببلدة مزرعة يشوع. على أوّل منعطف خصّصت البلدية كبعض من حلول مسألة النفايات التي تعاني منها تجمّعات لبنان السكنية، مكاناً لحاويات نفايات. ربما بسبب ضآلة إمكانيات نقلها في أوقاتها، تكدّست النفايات إلى حدّ أثار تذمّر جوار الحاويات. رضخت البلدية ورفعتها ظنّاً منها أن الرفع يحلّ المسألة. لكنّ الإجراء أثبت عدم جدواه، إذ استمرّ تكديس النفايات وتصاعد معه تذمّر الجيران. استمرّت البلدية بمنعها، ووضعت إنذاراً بأن رمي النفايات سيفضي إلى تغريم المخالفين لكنّ المخالفة استمرّت. قرّرت البلدية إلغاء المكان بكليته فأقامت مكانه حائطاً لثني رماة النفايات. غير أن الوضع ازداد سوءاً بامتداد نطاق النفايات حتى بلغ الطريق العام. أخيراً وجدت البلدية حلّاً نهائيّاً استأصل المسألة من أساسها: نظّفت المكان ووضعت نصباً للقديس شربل. فكانت إحدى عجائبه أن أنهى قضية قذارة النفايات وصار المكان نظيفاً تُوضع فيه من حين لآخر أزهار عند قدمي القديس.


أين الغرابة؟ يسأل البعض. المتن منطقة مسيحية ومن الطبيعي أن يحترم المسيحيون قدّيسيهم. تشوب هذه الحجة ثغرات. في حال صحتها، يكون المؤمنون هم وراء آفة القذارة إذ لو كان وضع النفايات عملاً يجمع بين المؤمن والملحد والعلماني، لما رضخ الأخيران لرمز في أفضل الأحوال لا يوقّرونه. ثم إن منطقة المتن تبقى أهم مجتمع مسيحيّ طوّر ونشر أفكاراً إلحادية وعلمانية. في العشرينات كان فؤاد الشمالي، ابن بكفيا، من مؤسسي الحزب الشيوعي. في الثلاثينات، أطلق أنطون سعادة من بلدته الشوير "الحزب السوري القومي الاجتماعي" المغالي في علمانيته. في السبعينات، قفز إلى الصدارة النادي الثقافي في أنطلياس الذي ضمّ نخبة من العلمانيين إلى جانب من هم إلى يسارهم وكان من قوته أن ربح الانتخابات الطالبية قبيل الحرب الأهلية (1975) في معظم الجامعات المسيحية في "المنطقة الشرقية".


لا محلّ للشك بأنّ المؤمن والعلماني والملحد اشتركوا جميعاً في تكديس نفايات مزرعة يشوع. لماذا إذاً لم يستمر الأخيران في إلقاء النفايات ورضخا بمقدار رضوخ المؤمن نفسه، لتأثير النصب الديني؟


الجواب بديهي وهو الغاية من هذا السرد. للإنسان هويات خارجية وهوية عميقة. يستعين بالهويات الخارجية وربما تحمّس لها، في الكثير من الظروف والأحوال، غير أنّ الهوية العميقة، الهوية الدينية، هي التي يجد فيها الإنسان أجوبة عن الأسئلة النهائية فتكون الأهم وتبقى الحاسمة إن هدّدت.


لا أعرف رئيس بلدية مزرعة يشوع. لكني أقطع بأنه مواطن واقعي ذو حكمة. في المقابل، لو كان، مثلاً، أستاذاً جامعيّاً واسع الشهرة مثاليّاً، لكان خطط لإزالة النفايات بنمط أكثر حداثة. لكان رأى أن الجهل وراء هذه الآفة وبالعلم والمعرفة وجد حلّاً لها. لم لا نخصّص، لقاء، ومبلغاً من المال لمحاضرات تفتح الأذهان على أهمية البيئة وضرورة الحفاظ على نقائها؟ ثم، هناك مؤسسات عالمية تعنى بالبيئة ذات ميزانيات بملايين الدولارات، تُحرج إن لم تنفقها في مددها المعينة، فترحّب بكل طلب مساعدة يبدأ بمحاضرات في الداخل تليها دورات تدريبية للشبان والصبايا في الخارج سيكونون عوناً للبلدية في نشاطاتها، إضافة إلى صدى هذه البعثات الخارجية على شعبية المجلس البلدي، ورفع فرصة ربح الانتخابات التالية. هذا إضافة إلى نشاطات يقوم بها شبّان القرية وشاباتها تعزز شعبية البلدية ككنس الشوارع من حين لآخر وطبعاً، أمام كاميرات التلفزيونات.


لا شك أن مشروعاً كهذا يتطلب تصميماً وتطوير خبرات تستغرق سنوات، وربما عقوداً، ترتفع مع الوقت فرص نجاحه لينتهي بمزرعة يشوع مثالاً يحتذى.


ذاك خيار. لكن الخيار الآخر ولا يقتضي ثقافة ومعرفة بالمؤسسات الدولية ولا انتظار سنين وعقود ونفقة مئات ألوف الدولارات، بل حسبه ما يقلّ عن ألف دولار بإعداد المكان وشراء النصب، فتحل المشكلة خلال أسبوع.


العبرة من هذا السرد

ثمة عنصر مشترك بين حلّ مسألة النفايات في مزرعة يشوع وبين حلّ مسألة مزمنة، لطالما عصفت بنا وبوطننا وربما كان بها نهايتنا إن لم نجد لها حلّاً على غرار الحلّ الذي انتهت إليه مزرعة يشوع. إنه الاعتراف بالهويات الدينية العميقة وأخذها في الاعتبار عند النظر في الحلول المستدامة لمسألة وطننا.


ما كان الإنكار يوماً حلّاً. ثمة قوانين طبيعية واجتماعية لا بدّ من نفاذها سواء أقررنا بها أم أنكرناها. على الغُفاة من اللبنانيين تذكّر حادثة غاليليو في القرن الخامس عشر، عندما صرّح تحت ضغط السلطات بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور، لكنه تمتم "مع ذلك هي تتحرك" E PUR SI MUOVE.