يعيش اللبنانيون اليوم شعوراً وكأنهم عادوا إلى حقبات مفصلية من تاريخهم الحديث، حيث كانت ديناميكية رفيق الحريري تحرك الأمور الراكدة، وقوة وصلابة بشير الجميل تفكك العقبات، ورؤية كميل شمعون للإنماء السريع والمستمر، وحزم فؤاد شهاب في فرض الأمن، فضلاً عن تجربة المناطق الحرة بين ١٩٨٦ و ١٩٨٩ عندما نجح سمير جعجع في فرض الأمن والاستقرار وإرساء مناخ من الازدهار في تلك الرقعة الجغرافية.
غير أن اكتمال هذه الصحوة الوطنية يقتضي انتقالها من المشاعر إلى الأفعال، وهو ما يستوجب تغييرات جذرية وملموسة في بنية الحكم.
لتحقيق ذلك، لا بدّ للقيادات السياسية وطاقم الحكم الجديد من مقاربة شجاعة تُخرج لبنان من ألغام الدستور الحالي، عبر طرح رؤية حديثة لنظام سياسي يحرّره من قيود النظام المركزي والفيتوهات القاتلة.
إن التفكير بلبنان ذي نظام اتحادي أصبح ضرورة ملحّة، إذ يشكل السبيل الأسلم لاستنهاض مختلف المناطق، من خلال تمكين كل منطقة من إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية بِحرية، بعيداً عن العرقلة المتبادلة التي لطالما حكمت النظام المركزي وأنتجت الأزمات المتكررة. وحده هذا النموذج يضمن الاستقرار والتنمية المتوازنة، حيث تستطيع كل منطقة أن ترسم مسارها التنموي والسياسي وفق مصالحها، دون أن يكون ذلك على حساب وحدة الكيان اللبناني.
وكل ذلك يتطلب مساراً طويلاً من النقاشات والمداولات والمفاوضات، قد يمتد لسنوات قبل أن تتبلور رؤية واضحة لنظام اتحادي جديد يلبي تطلعات اللبنانيين. غير أن الأهم هو أن يبدأ أحد أصحاب القرار من داخل المؤسسات الرسمية بفتح هذا النقاش بهدوء وعقلانية، بعيداً عن التشنج والاستقطاب، بهدف التوصل إلى صيغة توافقيّة ترضي مختلف المكونات وتؤسس لمرحلة جديدة.
وعندما يتم الاتفاق على نظام جديد للبنان، بعد سنوات من البحث والتفاوض، ستبدأ حقبة ذهبية للبنان ولكل من أراد احترام تنوع المجتمعات اللبنانية والخير لها.