صدر مؤخراً الإعلان الدستوري الجديد، والذي كان السوريون يعلقون على إصداره ومضمونه آمالاً كباراً بأن تبرهن الإدارة الانتقالية ورئيسها بأنهم عازمون على تطبيق الوعود الكثيرة التي أهمروها على رؤؤس السوريين والسوريات في الأسابيع الماضية. أصر السوريون أن يمنحوا الإدارة الجديدة فرصة وأن ينتظروا من شجرة الزيتون أن تثمر تفاحاً، ومن غودو، الذي لم يأتِ في مسرحية صموئيل بيكيت، أن يصل على الموعد. ولكن، حدث ما توقعه آخرون وأنا منهم:
إعلان دستوري مفروض من علٍ غير خاضع لاستفتاء شعبي وغير مكترث لتطلعات الناس، يكرس نظام أتوقراطي-ثيوقراطي يمكن توصيفه بأنه المعادل السني السوري لمنظومة الحكم الأتوقراطي-ثيوقراطي في النظام الشيعي الإيراني.
في التوصيف الموضوعي السياسي لإطلاق الاعلان، وقَّعَ من صار بفضل الإعلان حاكماً بأمره جديد (بمشروعية باتت دستورية) على إعلان دستوري كارثي، قدمته له لجنة من الجهلة والمزيفين علمياً عينها هو شخصياً، كما سيعين ثلث مجلس الشورى الشعبي ومجلس القضاء الأعلى وكما سيعين نفسه كسلطة حكومية أيضًا ( ليصير ما كان حافظ الأسد قبله: المعلم الأول، والقاضي الأول، والجندي الأول، وكـلشي الأول).
وقد قام الإعلان المذكور بقوننة ثالوث العقل السياسي السلفي: خلافة-شريعة-مشورة. فعليًا، يمثل هذا الإعلان فرضًا لنظام أوتوقراطي أحادي يشرعن الاستبداد والاستئثار ويخلط السلطات ويذوبها في منصب الرئاسة ويعتبر البرلمان مجرد مجلس استشاري لمؤسسة الرئاسة ليس له سلطة النقد والمحاسبة والمراقبة:
عاد نظام البعث من النافذة وضاعت الدولة وتم دفنها في المهد. انتهى حلم المدنية والديمقراطية والانتخاب. وما عاد هناك مبرر أو حاجة لتأسيس أحزاب أو للتعاطي بالسياسة والشأن العام وفق تنافس حزبي وبرامج انتخابية. دخلت سوريا في عهد استبداد أسود جديد تم تدشينه بمذبحة مروعة في منطقة الساحل.
لم يبق للسوريين فعليًا أي نافذة ضوء حقيقية، بعد أن جاء الضوء الأخضر من إسرائيل والبيت الأبيض دعمًا غير مشروط، بل مفروض. سوريا الآن ستعود بعثية لخمس سنوات قادمة، يتولى المسؤولية فيها الاتباع والمحاظي ومن يثبتون الولاء المطلق للحاكم الأوحد ( في عهد الاسد، ما لم تكن بعثيا آو مرشحًا من الحزب لن يتم اختيارك).
ما يجعلني أعتقد أن هناك نسخة سنية معادلة لنظام إيران الثيوقراطي يتم تطبيقها في سوريا هو مشهد مثير للاهتمام شاهدناه أثناء إعلان الدستور. كان يجلس على شمال رئيس المرحلة الانتقالية مجموعة من ستة أشخاص يؤلفون "اللجنة الشرعية" التـي بدأ السوريون يلاحظون أنها تتولى مراقبة المشروعية الفقهية لكل ما يقرره أحمد الشرع وإدارته.
تتألف هذه اللجنة من حسن الدغيم، مصطفى موسى، عبد الرحيم عطون، مظهر الويس، الشيخ أسامة الرفاعي ونائبه في المجلس الإسلامي السوري. يمثل ثلاثة أشخاص من اللجنة أعضاء من منظومة مجلس الشورى الفقهي في هيئة تحرير الشام، والتي كانت تدير دويلة الهيئة في أدلب. أما حسن الدغيم، الذي ترأس لجنة التحضير للمؤتمر الوطني، فكان سابقاً مناهضاً للجولاني واليوم من أقرب المقربين إليه. أما الشيخ أسامة الرفاعي فهو عالم دين جليل من دمشق، ويحظى باحترامنا وتقديرنا جميعاً، فهو يمثل الإسلام الشامي التقليدي المحافظ ولكن المعتدل والمرن والبراغماتي.
إن الأدوار التي ستلعبها هذه اللجنة والتأثير الذي ستتركه على الساحة يقول لنا أنها تمثل "مجلس تشخيص مصلحة النظام" السوري المعادل في مهماته ودوره لمجلس تشخيص مصلحة النظام في النظام الثيوقراطي الإيراني. وفي مجلس تشخيص مصلحة النظام السوري المذكور، يجلس الشيخ أسامة الرفاعي كصوت سلفي إصلاحي (reformist Salafism) مقابل اصوات سلفية جهادية نكوصية (jihadist regressive Salafism) متشددة وصدامية .
وبالتالي، قد يلعب الشيخ الرفاعي دور "هاشمي رفسنجاني" النسخة السنية السورية للنموذج الإيراني الشيعي. سوريا ماضية إلى تطبيق نظام أتوقراطي-ثيؤقراطي يمثل المعادل السني لنظام الملالي الإيراني. والدليل أن الإعلان الدستوري الذي يعفي الرئيس من المحاسبة (عصمة سياسية) ويجعله مصدر تقرير كل شيء وتنصيب وتعيين كل طرف يذكرنا بعصمة الولي الفقيه من المحاسبة أيضاً (عصمة دينية وسياسية) من قبل أي سلطة أخرى في البلاد وسلطاته المطلقة في إيران.
والحال، أن النظام الجديد في سوريا يحظى ،كما يبدو لنا، بغطاء دولي خارجي من إسرائيل وأمريكـا وأوروبا. فإسرائيل تريد أن تخلق في سوريا نموذج أتوقراطي-ثيوقراطي لأنه يشبه النموذج السلطوي الذي تدير وفقه الحكومة اليمينية المتطرفة إسرائيل، ولأن النظام الأتوقراطي يعيد انتاج نظام استبداد يشبه النظام الأسدي الذي خلقته إسرائيل وفرضته على سوريا لمدة خمسة عقود.
أما أمريكـا ترامب، فيعنيها أن تكرر تطبيق النموذج المذكور لأنه أصلاً بضاعة أمريكية سوقتها أمريكا في إيران زخلقت بها ولاية الفقية التي أثبتت فاعليتها في تقرير مصير المنطقة، ولأن أي نموذج سلفي في سوريا سيرضي تركيا وقوى خليجية حليفة للأمريكي. أما الأوروبي فهو براغماتي لا يعنيه كثيراً من يحكم وكيف يحكم، بل أن ينفذ من يحكم لأوروبا ما تريده وهو إعادة اللاجئين ومنع عودة المجاهدين الأوروبيين إلى بلدانهم ومنع أي حركات جهادية من تهديد أوروبا في المستقبل انطلاقاً من سوريا أو عبوراً منها. وإذا كـان من ينفذ هذا نظام أتوقراطي-ثيوقراطي سوري فليكن.
تستمر سوريا في عبورها نفقاً مظلماً أسوداً سيفرض نفسه على السوريين من خمسة إلى خمسين عام قادمة. يعلم السوريون والسوريات هذا ولكنهم يستكينون ويصمتون خوفاً من عنف السلطة الجديدة وطائفيتها وتبريرها للقتل والقمع والترهيب باسم المظلومية. لكنهم يترجون فقط أن تنجح هذه الإدارة الحالية بأن تقدم بطريقة ما اقتصاداً وحياة إنسانية واعدة ومزدهرة وتؤمن لهم مصادر النجاة اليومية. عاد السوريون إلى مربع الاهتمام الوحيد بالعيش والنجاة، والذي استعبدهم نظام الأسد البعثي به لعقود...حما الله سوريا وأعانها.