قراءة للنائب السابق إيلي كيروز

فصل من كتاب "حزب الله ولبنان خطّان لا يلتقيان"

8 دقائق للقراءة

بعد أن كان ما كان من أحداث جسيمة قلبت الصورة رأساً على عقب في وضعية "حزب الله" الممسك بجميع مفاصل البلد بالكامل، وكي لا تُختم المرحلة المنصرمة، كما يُقال باللغة اللبنانية "على زغل"، فتبقى السردية التي كانت إلى حدّ ما رسمية منذ العام 1990، أصدر النائب السابق إيلي كيروز عن "دار سائر المشرق" كتاب "حزب الله ولبنان خطّان لا يلتقيان".

في هذا المؤلَّف يستعرض الكاتب مسار "حزب الله" منذ بداية تصدير "الثورة الإسلامية" من إيران إلى لبنان، والمواجهات التي خاضها مع النفوذ السوري فيه، إلى أن وجد الأرضية المشتركة أو "Modus opperandi" التي تمكّنهما من التحكّم بلبنان، من دون تعارض بينهما في الوظيفة والدَّور.



ما يحصل مع "حزب الله" ليس تنافساً سياسياً عادياً ولا خصومة سياسيّة عاديّة. ما يحصل مع "حزب الله" وأكثريّة اللبنانيين واللبنانيات هو صراع مفاهيم، يبدأ بالمفاهيم الفكريّة والحياتيّة، ولا ينتهي بالمفاهيم الاجتماعيّة والتّربوية والسّياسية. إنّه صراعٌ بين لبنانَيْن ورهان على لبنان واحد.




أولاً: إنّه صراع مفاهيم:

- إنّه صراعٌ بين مفهومَين لله والإنسان والتّعامل بين الإنسان والإنسان: بين مفهومٍ لله يقاتل النّاس عنه، ومفهوم لله يبذل ذاتَه في سبيل أبنائه وأحبّائه. من هنا، يتوجّب نقل هذا الصّراع الأخرق إلى ميدانه الصّحيح بتحويل القتال، في سبيل الله إلى نضال في سبيل الإنسان.


- إنّه صراعٌ بين مفهومَين للحرب والسّلام: بين مفهوم يمجّد الحرب ويستدعي اسم الله من أجل تبرير العنف والكراهيّة، ومفهوم يؤكّد أنّ الله سلام وأنّ البشريّة ومنذ قايين وهابيل تَوّاقة إلى السّلام في مواجهة الذين يقتلون ويصنعون الحروب باسم الله.



- إنّه صراعٌ بين مفهومَين للشّأن العام والسّياسة: مفهومٌ يدعو إلى إقامة الدّولة الإسلاميّة ويقول بولاية الفقيه العامّة، على مذهب الإمام الخميني، وينطلق في العمل السّياسي من قناعة الدّمج بين الدّين والسّياسة ومن تأسيس الموقف السّياسي على الشّرعية الدّينية. ومفهومٌ آخر ينادي بالدّولة الدّستورية والمدنيّة التي تَضمَن حرّيّة الاعتقاد واحترام خصوصيّة الجماعات وتميّز بشكلٍ صريح بين الدّين والسّياسة بدلًا من اختزال الدّين في السّياسة أو تأسيس السّياسة على يَقِينِيّات دينيّة مطلقة.



- إنّه صراعٌ بين مفهومَين للحياة والموت: مفهومٌ ينادي بثقافة الموت الذي يتغلّب على الحياة وينادي بنعمة الحرب وإراقَة الدّماء ويعتبر أنّ الدّنيا لا تقوم ولا تنمو ولا تكبر إلّا بالدَّمار. كما يَعتبِر أنّ القِتالَ هو طريقُ الأمّة، فلا يجوز أن يُحسَبَ حِساب لعديدِ الشّهداء، وبذلك يُصنَع المُستَقبَل، ومفهومٌ يعتبر أنّ الإنسان قد أُعطي هذه الحياة ليعيشها بالتَّحاب وأنّ الحياة هي هبة من الله لتكون للنّاس ولتكون لهم بِوِفْرَة. كما ينادي بقدسيّة الحياة ويزدري الموت في مقابل المفهوم الآخر الذي يسعى إلى الموت ويزدرِي الحياة.



- إنّه صراعٌ بين مفهومَين للمرأة وللأنوثة: مفهومٌ للمرأة يجعل منها كائناً ناقصاً ويَفرِض عليها ارتداءَ الحجاب وقيوداً صارمة بنمطٍ للعيش صارم ودَوْراً ثانوياً لا يتعدّى حدود ما يَقع خارج باب منزلها ويحصر جهادها وأجرها "بحُسن التَّبَعُل". ومفهومٌ ينادي بكرامة المرأة وحرّيتها، صانعة ذاتها وخميرة مجتمعها، وينادي بعبقريّة المرأة وبكلّ ما في أنوثتها من جمال وثروة ويدعو إلى أن تأخذ مكانتها في المجتمع والإعلام والثّقافة والتّربية والسّياسة وإلى أن تساهم في دفع البشريّة إلى الأمام وإلى المزيد من القيم الرّوحية والأخلاقيّة. كما ينادي بعلاقةٍ بين المرأة والرّجل تقوم على الحبّ والإخلاص والنّضوج والمساواة والتّعاون والبناء السّليم للأسرة.



- إنّه صراعٌ بين مفهومَين للتّربية والثّقافة: مفهومٌ يشدّد على المنابع الأساسيّة للتربية والثقافة وهي "القرآن الكريم والسنّة المعصومة والأحكام والفتاوى الصّادرة عن الفقيه مرجع التّقليد عندنا". ومفهومٌ ينادي بسياسةٍ تربويّة وثقافيّة تعزّز الخَلْقَ الفكري والأدبي والفنّي بشتّى ألوانه، والانفتاح المسؤول التّام على جميع مصادر العقل والرّوح في التّاريخ وفي العالم، كما تَرفض هذه السّياسة أن تكونَ أي قيمة من قِمَم الفّن والفكر والرّوح في التّاريخ وفي العالم في غير مُتناوَلِ الإنسان، كلّ إنسان. ويطمح هذا المفهوم إلى بناء مجتمع يتّسم بالحرّية الشّخصية الكيانيّة الإنسانيّة، وتعبق فيه رائحة المحبّة والإلفة والتّضامن والخدمة، وتسعى إلى ترسيخه في العائلة، في المدرسة، في التّعليم الدّيني، في الأدب والفنّ الشّعبِيَيْن، في وسائل الإعلام والدّعاية، في المعاملة الاجتماعيّة.




ثانياً: "حزب الله" ولبنان: لبنانان لا لبنان واحد


إنّه صراعٌ بين مفهومَين للبنان، مفهومٌ ينادي:

- بالوطن التّعددي، بالحقّ في الاختلاف، بالوطن النّهائي. إنّ جماعات لبنان الأساسيّة والتي تتكوّن منها تعدّدِيَتُه هي طوائفه الدّينية بمذاهِبها المتعدّدة.



- بوطن التّعايش المسيحي - الإسلامي السّويّ بين أهل الدّيانَتَين، سلميّاً، مختلفين ومتساوين، وعلى درجة واحدة من التّعادل الكِياني.



- بوطن الإنسان، وقيمةُ الإنسان هي أولاً في ذاتِه، وإنّ أقدس ما في الإنسان عقله وضميره اللذان يُمَكِّنانه من معرفة الحقيقة. إنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو خَيرُ فصيلٍ لمعرفة مِقدار احترام إنسانيّة الإنسان.



- بوطنِ الحرّيّة إذ لا شيء في لبنان يعلو على الحرّيّة ولا وجود للبنان من دون الحرّيّة. ولا حريّة إلّا في كَمَال قامةِ الإنسان ولا إنسان حقّاً إلّا الإنسان الحرّ الذي لا يَقبلُ أن يكونَ عبداً. فإمّا يحيا حرّاً أو يموت حرّاً.



- بالوطن الدّيمقراطي الذي لا يُبنى على العدد، لكنّه يُبنى على التّعدد. إنّ الدّيمقراطية اللبنانية هي ديمقراطيّة تَكييف أكثر منها ديمقراطيّة تطبيق.


- بالدّولة المدنيّة القائمة على المشاركةِ المتوازِنَة، من خلال المناصفة السّياسية في نظام الحكم وفي كلّ مؤسّسات الدّولة. إنّ هذا التّوازن هو توازنٌ روحيّ وحضاريّ وليس توازناً عدديّاً. إنّه توازنٌ بين دِيانتَين وحَضارتَين وليس توازناً بين كميّةٍ من النّاس في هذا الجانب وذاك الجانب.



- بالوطن المحايد، الذي كرّس المبدأ القائل إنّ "لا شرق ولا غرب" و"لا حماية ولا ذوبان".

- بوطنٍ يرفض الذّمية الدّينية والسّياسية والقانونية، ويرفض تسخير الله في لعبةِ العنف والقتل والموت، ويدعو إلى حضارةِ المحبّة وحقوق الإنسان في ميادينِ الحياة العامّة.



- بفلسفةٍ للحُكمِ تَختلف. في الوطن اللبناني لا عِبادةَ ولا تَأْلِيه للمؤسّسات. إنّ مؤسّسةَ المؤسّسات هي الإنسان. إنّ لبنان كمجتمعٍ وتراث ودولة يتفوّق على الحكومة، بينما تكون الحكومة في هذا الشّرق ينبوع كلّ شيء.



- بوطنٍ يُعلّمنا أنّ لبنان لا يُبنى إلّا على الائتلاف والتّوسّطيّة، كما كان يردّد المفكّر اللبناني ميشال شيحا ومن بعدِه تقي الدّين الصّلح في مجالسِه: إذا كان من فضلٍ للمسلمين ففي استقلال لبنان أمّا فضلُ المسيحيين والموارنة في نوعٍ خاص ففي الحِفاظ على الحريّة والدّيمقراطية.



- بأن يبقى لبنان حُصناً للحريّة يضمن للمسيحيين والمسلمين والدّروز في هذه البقعة من العالم كرامتهم ووجودَهم الحرّ. إنّ هَمَّ الموارنة الوحيد عبر العصور لم يكن الخوف بل الحريّة والعيش بكرامة: "pas un complexe de peur mais un complexe de liberté – Père Charbel Kassis."



أمّا مفهوم حزب الله للبنان، ومن خلال أقوال ومواقف الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، فيمكن تلخيصه بالنّقاط التّالية:



- إنّ "حزب الله" لا يؤمن بالوطن اللبناني ولا يؤمن بالأوطان والحدود بل يؤمن بالوطن الإسلامي الكبير.

- إنّ "حزب الله" لا يحارب من أجل لبنان بل من أجل إيران ومن أجل حماية "الثورة الإسلاميّة في إيران" ونشرها في العالم.


- يدعو "حزب الله" في لبنان إلى إقامة "الدّولة الإسلاميّة" من أجل السّلام العادل الذي يعمل من أجله الإمام المهدي.



- إذا ما أُتيحَ للشّعب اللبناني أن يختارَ بحريّته شكل نظام الحكم في لبنان فإنّه لن يُرجّح على الإسلام بديلًا.



- إنّ المشكلة الأساسيّة في النّظام السّياسي اللبناني هي الطّائفية السّياسية التي سيبقى في ظلّها الحرمان.

- إنّ الشّرط الأساسي لتطبيق ديمقراطيّة حقيقيّة هو إلغاء الطّائفية السّياسية من النّظام.



- إنّنا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزّأ من الخارطة السّياسية المعادية لأميركا والاستكبار العالمي وللصّهيونيّة العالميّة والتي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة.

- لقد أفتى الإمام الخميني بجريمة النّظام اللبناني وفي حقّ الكثرة الشيعيّة في الاستيلاء عليه.




ثالثاً: "حزب الله": من أجل حركةٍ إسلاميّة عالميّة

من التّبايُن بين هذَين المفهومَين يَبرُزُ التّناقض الفكري الذي نَتَبَيَّنُه بين إسلامٍ خمَينيّ خالص ومُتَشدّد، وديمقراطيّة تَغرُزُ جذورَها في النّزعةِ الإنسانيّة. إنّ مفاهيمَ "حزبِ الله" تُمثّل النّقيض الفعلي لهذا البَلد. ولقد صَرّح السيّد حسن نصر الله في صحيفة "L’Orient Le Jour" عدد 23-9-1987:


"ليس ثمّة إسلام عراقيّ وآخر إيرانيّ. هناك حركة إسلاميّة عالميّة تهدف إلى دفع الإسلام في طريق النّصر في كلّ مكان. إلى هذه الغاية نطمح. لهذا نوجّه كلامنا إلى مسلمي العالم أجمع: نعرف بأنّ لكلّ دولة، لبنانيّة، عراقيّة، سوريّة وإيرانيّة، خصائصها المميّزة، لكنّ هذه الخصائص يجب أن تنضوي في الخطّ العام. فعلى الإسلاميين اللبنانيين أن يكمّلوا الإسلاميين العراقيين والسّوريين والتّونسيين والمصريين ليجابهوا معاً الاستحقاقات الجوهريّة. عندما نستولي على الأرض هنا وفي الخارج نستطيع أن نناقشَ التّفاصيل. فانتصار الإسلام هو صكّ الموت إلى الحضارة الغربيّة".



غلاف الكتاب