شربل داغر

جمهورية العنف... "الشعبي"

3 دقائق للقراءة

يتنفس البلد بعد جلسة "المصارحة والمصالحة" في القصر الجمهوري، بحضور "رؤوس" الدولة، من دون أن يلحظ هذا او ذاك ان إيجاد هذا الحل يشبه ما آلت إليه تسوية الحرب (وغيرها)، أي تحكيم قادة الميليشيات بدفة الدولة والسياسة.

واللافت في هذا الامر، أن الرئيس ميشال عون (وتياره السياسي خصوصاً) لم يكن شريكاً في الحرب المذكورة، ولم تكن له ميليشيا، وإذا بغير وزير ونائب فيه يتحدث منذ أكثر من سنة عن "تسوية الاقوياء" الناظمة للحكم حالياً.

أليس الحديث عن القوة ركيزة للدولة اعترافاً سياسياً بما للعنف ان ينتجه في الحياة السياسية؟

ألا يعني التكريسُ "الرسمي" لثقافة العنف والقوة إسقاطاً للقضاء ولانتظام عمل المؤسسات؟

أما ما يحصل في "قمة" الدولة، فيتنقل الى منتسبي وأنصار هذا الحزب (الميليشيا) او ذاك، ما يجعل هذه الثقافة..."شعبية"، وتكون بالتالي الثقافة الجامعة للقسم الاكبر من "الشعب" اللبناني.

الا ان قوة العنف الأولى في لبنان تتمثل في حزبٍ جعل من "الله" ملهماً له، بينما لا يقتنع قسمُ واسع من اللبنانيين بأنه "مقاومة" وحسب، وإنما هو "ميليشيا" بدوره.

لهذا ما يظهر في "هبات" عنفية، ومقتلات وحركات عنيفة في الشوارع، ولعلعة الرصاص في اي مناسبة فردية او اجتماعية، لا يعدو كونه الإظهار الاكيد لهذه الثقافة المتمكنة من الناس، بين جمهور وقادة.

كيف يحدث أن المقتلات العلنية لمعارضين، أو في هذا الفريق ضد ذاك، لا تثير الرأي العام تماماً؟كيف يحدث أن قتيلاً سقط امام سفارة أجنبية في لبنان لم نعرف عن مقتلته خبراً؟! كيف يحدث أن موظفاً خُطف في قارعة النهار على طريق المطار، لم نعلم شيئاً عنه؟! كيف يحدث أن أصحاب الأغلبية الحكومية - وهم حلفاء الدولة السورية - لم يرفعوا صوت المناداة لمعرفة مصير أعداد من السجناء والمغيبين اللبنانيين في السجون السورية، فيما يتحدثون عن "الأخوة" ولزوم "التنسيق"؟

هكذا تصبح اي قضية محقة "رخيصة"، عرضة للتشكيك والتزوير والعمى! وبات أبسطُ مقوماتِ عملِ الدولة مقروناً بالمصارحة والمصالحة، وبـ"إيجاد المخارج"، أي معطلاً...

اما قوة العنف - قوة الاقوياء منهم، وأكثر من غيرهم - فتستبد بحياة الناس اليومية كما المصيرية: سلاحٌ يكتفي بإظهار قبضة السيف من دون نصله؛ سلاحُ الضغط والتهميش بين الجماعات ما يجعل الدستور والوحدة الوطنية قيد الصراع المفتوح؛ سلاحُ الفساد والإفساد الذي يُقصي أصحاب الحقوق، ويُدني الازلام والمنتفعين...

ألا يكون تجاهل هذا العنف إقراراً ضمنياً به، فلا يتحول الى اساس اي منظور إصلاحي؟ ذلك أن هذا العنف سيادي، "شعبي"، مقبول من الاغلبية الساحقة من الجمهور، ويحرك بالتالي السياسات والتسويات. هكذا ينتهي الدستور الى ان يكون معلقاً، والحكومة بتصرف الاقوياء فيها، والعدالة مرهونة بـ"توافقات". هكذا يكون الممثلون السياسيون قادة عنف، وموزعي ترضيات وإحسانات في أحسن الأحوال.

هكذا يكون القتل عنوان الاجتماع الوطني، ويتحول النشيد الوطني الى: "كلنا عالوطن".