د. جوسلين البستاني

"لأن الوطنية اسم آخر للوثنية أقول فلتحترق هذه الأرض"

4 دقائق للقراءة

تم إرسال الرد الرسمي من إيران على رسالة دونالد ترامب بشأن المحادثات النووية، ليلة الأربعاء، عبر سلطنة عمان، وقد أعربت طهران عن استعدادها لخوض مفاوضات غير مباشرة. جاء هذا الرد بعد زيارة كبار مستشاري بنيامين نتنياهو إلى واشنطن مطلع الأسبوع، حيث التقوا بمستشار الأمن القومي الأميركي، مايك والتز، إلى جانب عدد من كبار مسؤولي الاستخبارات والدفاع والدبلوماسية. وكان الهدف من هذه الزيارة مناقشة البرنامج النووي الإيراني، وإمكانية إجراء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، إضافةً إلى البحث في تطورات الحرب في لبنان والمحادثات المرتقبة بين إسرائيل ولبنان بشأن ترسيم حدود معترف بها دولياً بين الدولتين العدوّتين.


لكن القضية الأكثر أهمية التي نوقشت تمحورت حول استراتيجية ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي. وقد ركزت الأسئلة المطروحة على الاستراتيجية التي سيتم اعتمادها: هل سيتم اللجوء إلى ممارسة أقصى درجات الضغط، أم فرض المزيد من العقوبات، أم اللجوء إلى المفاوضات، أم حتى الخيار العسكري؟


الرسالة التي تم إيصالها كانت واضحة: لا يمكن الانتظار طويلاً، لأن إيران تتقدم نحو امتلاك قدرات نووية عسكرية، والتي تراها السبيل الوحيد لضمان بقاء نظامها، خاصة بعد خسارة بعض وكلائها، وسوريا، وقريباً الحوثيين. لهذا السبب، لن تتراجع طهران، بل ستواصل المضي قدماً في خططها.


أما بالنسبة لإسرائيل، فهناك مسألة أخرى في غاية الأهمية، وهي ضرورة عدم إطالة أمد المفاوضات مع إيران. يعود ذلك إلى ما يُعرف بـ "آلية أوباما" لإعادة فرض العقوبات على إيران، والتي تنتهي صلاحيتها في 25 أكتوبر المقبل، مما قد يمنح إيران، وفقاً لشروط خطة العمل الشاملة المشتركة، طريقاً مشروعاً نحو امتلاك قنبلة نووية. لذلك، يجب وضع خط أحمر واضح لا يُسمح لإيران بتجاوزه، وتحديد الموعد الذي ينبغي أن تبدأ فيه بتفكيك منشآتها النووية.


بناءً على ذلك، كان على الوفد الإسرائيلي التأكد من أن القضية لا تقتصر على العقوبات فحسب، بل تشمل أيضاً ممارسة أقصى درجات الضغط، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة. في هذا السياق، جاءت الرسالة واضحة تماماً: يجب أن يشنّ الأميركيون والإسرائيليون الهجوم معاً. هذه نقطة بالغة الأهمية، لأن إسرائيل، في حال شنت الهجوم بمفردها، لن تتمكن من استهداف جميع المواقع والقدرات النووية الإيرانية بضربة واحدة، مما يمنح إيران الفرصة للرد بصواريخ باليستية ضد إسرائيل، الأمر الذي قد يضطر الولايات المتحدة إلى التدخل لاحقاً. لذا، فإن النهج الأكثر فاعلية هو تنفيذ هجوم مشترك، متزامن وحاسم، يستهدف جميع المواقع في آنٍ واحد، مما يقلل من المخاطر على إسرائيل ويزيد من فاعلية الضربة. من المعروف أن إسرائيل تكثف تدريباتها بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية باستخدام قاذفات القنابل الاستراتيجية، ما يشير إلى أن الجيوش تستعد بجدية. والآن يبقى الأمر مرتبطاً بالسياسة التي ستتبعها الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.


صحيح أن الرئيس ترامب سبق أن أعلن تفضيله للحلّ الدبلوماسي، مما يفتح الباب أمام احتمال إجراء محادثات بين الأميركيين والإيرانيين خلال الشهر المقبل. ومع ذلك، من المؤكد أن إسرائيل ستضغط على واشنطن لوضع سقف زمني لهذه المحادثات، ومنع إيران من المماطلة، وهو أسلوب تتقنه طهران وتسعى من خلاله إلى كسب الوقت حتى انتهاء مهلة 25 أكتوبر.


في المقابل، لم يعد سرّاً – خاصة بعد تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية – أن إيران قد قامت بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الجاهزية لصنع قنبلة نووية، مع ارتفاع مخزونها من اليورانيوم المخصب بحوالى 100 كيلوغرام في الربع الأخير، ليصل إلى نحو 300 كيلوغرام وفقاً للمعايير الدولية. وهذا المخزون يكفي لإنتاج ما يقارب ستة أسلحة نووية، ويمكن تحقيق "الاندفاع النهائي" نحو امتلاكها خلال أشهر قليلة.


لكن في ظل هذه التطورات، تبقى المسألة الأهم هي أن إيران لن تكون مستعدة أبداً للتخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، وهو الأمر الضروري لإعادة ضبط الأوضاع وتهدئة معظم بؤر التوتر في المنطقة. وهنا يبرز التساؤل: هل تتحقق أمنية الإمام الخميني التي عبّر عنها في الثمانينيات حين قال: "نحن لا نعبد إيران، بل نعبد الله. لأن الوطنية اسم آخر للوثنية. أقول فلتحترق هذه الأرض. أقول دعوا هذه الأرض تحترق شريطة أن يظهر الإسلام منتصراً في بقية العالم"؟