لطالما قيل إن سلاح حزب الله لا يمكن مناقشته داخلياً، بما أن القرار لدى إيران، ولا يزال البعض يريد مقاربة ملف سلاح الحزب بحصره ضمن خانة "الحوار الداخلي" وكأن المشكلة تقنية أو شكلية يمكن تسويتها بتفاهم لبناني - لبناني.
لكن هذا الطرح، ببساطة يتجاهل واقعاً محورياً بأن لو كانت مسألة السلاح قابلة للحل داخلياً فقط، لكانت قد سُوِّيت منذ زمن بعيد. فالحقيقة أن ما يجعل هذا الملف عصياً على الحل هو ارتباطه العميق بالتوازنات الإقليمية والدولية، وبالدور الذي كان يقوم به حزب الله كلاعب عابر للحدود.
فالحزب، بما كان يمتلكه من سلاح وتنظيم وقدرات عسكرية، لم يكن يوماً جزءاً من "الحلول المحلية" بل العكس، كان يعرقل هذه الحلول، باعتباره رأس حربة في مشروع إقليمي يتجاوز لبنان. وبالتالي، فإنّ الرهان على طاولة حوار داخلية لإيجاد تسوية نهائية، هو أشبه بمحاولة هروب إلى الأمام، أو خلق وهم تفاوضي لا يستند إلى أي أدوات واقعية.
والأهم من ذلك، أن حزب الله لم يواجه يوماً هزيمة سياسية أو عسكرية من قبل أطراف لبنانية، بل اصطدم بقوى إقليمية (إسرائيل) مدعومة من الولايات المتحدة، ما يربط مصيره عملياً بهذه القوى وبمشروعها في المنطقة. وهذا ما يجعل ملف سلاحه مطروحاً على طاولة التفاوض الإقليمي والدولي، لا على طاولة قصر بعبدا أو ساحة النجمة أو السراي الحكومي فقط.
هذا البُعد الدولي يتعزّز أكثر عند العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه الدولة اللبنانية، والذي ينص بشكل واضح على نزع سلاح جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وبما أن حزب الله هو الفصيل الوحيد الذي لم ينخرط في عملية نزع السلاح بعد اتفاق الطائف حتى يومنا هذا، يصبح من البديهي أن يُنظر إلى هذا الواقع على أنه خرق مستمر للقرار 1701، وللسيادة اللبنانية. (من دون ان ننسى أن السلاح في المخيمات الفلسطينية، ليس استثناء لقاعدة نزع السلاح)
في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الدعم الدولي للعهد، كما للحكومة الحالية، كان مشروطاً بالتزام واضح بالشرعية الدولية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، 1559 و1701. وبالتالي، فإن الترويج لمقولة “الحوار الداخلي لحل مسألة سلاح حزب الله” كبديل عن تنفيذ هذه الالتزامات، ليس فقط مراوغة سياسية، بل هو إخلال بالمسؤولية، وشكل من اشكال التواطؤ الضمني مع الأمر الواقع الذي فرضه الحزب.
اليوم، الضغط الأميركي خصوصاً - والدولي عموماً - لا يكتفي بالتشديد على المبادئ، بل انتقل إلى مرحلة المطالبة الى وضع جدول زمني لنزع السلاح. ومع كل تباطؤ أو مناورة سياسية تهدف إلى إرضاء حزب الله بخطابات إنشائية لا قدرة على تنفيذها، يزداد خطر الانزلاق نحو سيناريوهات غير محسوبة — وهنا، تصبح مسؤولية الرؤساء الثلاثة مباشرة وواضحة أمام الداخل والخارج.
لقد حان الوقت للاعتراف بالحقيقة: سلاح حزب الله ليس شأناً داخلياً فحسب، بل هو مسألة سيادية من الطراز الأول، تتقاطع فيها مصالح اللبنانيين مع أولويات المجتمعين الدولي والإقليمي. وكل محاولة لحصرها بإطار داخلي ضيّق، ليست سوى محاولة لتعطيل الحل، على حساب الدولة ومؤسساتها واللبنانيين.
وبما أننا نرى أن الدولة عاجزة عن مواجهة حزب الله، وللأسباب التي ذكرناها عن أن الحزب وسلاحه يتخطّيان الشأن اللبناني، فلن تتراجع القوى الدولية والإقليمية لمجرد عجز الحكومة اللبنانية عن فعل ما عليها القيام به، وستوكل المهمة إلى إسرائيل مرّة أخرى لتستمر باستهداف حزب الله حتى إشعار آخر.