في أواخر الثمانينات، عند بداية متابعتي بشغف عالم الأفلام، وقبل زيارتي الأولى لصالة السينما، بعد بضع سنوات، فور انتهاء الحرب، تعلَّقت بثلاث شخصيّات بطوليّة سجّلت لدى أبناء جيلي وفي وجداني أجمل الذكريات: "سوبرمان"، "إنديانا جونز"، و "بوند... جايمس بوند". لكن تبقى ظاهرة جايمس بوند فريدة من نوعها في العالم، حيث لم يتمكَّن أيّ فيلم أو بطل آخر خلال السّنوات الستّين الماضية من السّينما من أسر الجمهور ووضع الأسس لأفلام الميزانية الضّخمة واستقطاب أكبر عدد من الأجيال، كما فعلها "بوند".
في ملفّ بوندي خاص نشرته المجلّة السينمائيّة الفرنسيّة "Le Nouveau Cinéma" (العدد الثالث – ديسمبر 1999)، أوردت حينها إحصاءات عن عالم "بوند" أشار أهمّها إلى أنَّ 2.9 مليار من سُكَّان العالم شاهدوا أقلّه فيلماً واحداً من سلسلة "بوند"، أي نصف سُكّان الأرض آنذاك منذ أكثر من ربع قرن!
ولعلَّ أبرز من عبَّر عن السّبب الأساسي لاستمراريّة هذه السلسلة ونجاحها، المُنتج والكاتب Michael G. Wilson، أحد أبناء المُنتج الأوّل لأفلام "بوند" Albert R. Broccoli، في وصفه: "كَتَب الرّوائي Ian Fleming قصص "بوند" بأسلوبٍ بصري، وكان أبي يقول دوماً إنّ ذلك مكّننا فعليّاً من تصوير رواياته، حيث أنَّ الأسلوب والبُنية سينمائيان للغاية".
بوند... أمازون بوند
مع شراء "أمازون" شركة "MGM" مقابل 8.5 مليارات دولار عام 2021، استَحوذت الشّركة على حقوق توزيع جميع أفلام "MGM"، وأهمّها سلسلة "جايمس بوند"، لكنّها لم تمتلك سوى 50% من الامتياز، واقتصرت على كونها شريكاً سلبيّاً من حيث الخيارات الفنيّة التي بقيت حينها بأيدي المُنتجَين Barbara Broccoli و Michael G. Wilson اللذين أكملا بنجاح مسيرة والدهما منذ تولّيهما مسؤوليّة الإنتاج في منتصف التسعينات مع فيلم "GoldenEye". إلّا أنَّ "أمازون" الطامحة والطامعة سريعاً في إعادة إطلاق العجلة السينمائيّة لأفلام "بوند"، لم تستسلم. وفي حين أبدى Wilson رغبته النهائيّة في التقاعد، وأعلنت Broccoli بأنّها لن تتمكَّن من المضي وحدها قُدماً في المشوار "البونديّ"، تمكَّنت "أمازون" من حل النّزاع وإقناع الأخيرين بالتنازل عن الإشراف الإبداعي على سلسلة أفلام "جايمس بوند" لصالح استديواتها "Amazon MGM Studios"، في مُقابل مليار دولار إضافيّة فقط!
ثنائي إنتاجيّ جديد
وعلى الرّغم من كل التأويلات والمخاوف التي صدرت حينها وما زالت تعمّ المواقع الافتراضيّة، في كل مرَّة يُذكر فيها العميل السرّي البريطاني، قامت "أمازون" بخطى ثابتة عند تسليمها المهام الإنتاجيّة الى ثُنائي جديد، المُنتج البريطاني David Heyman والأميركيّة Amy Pascal، حيث أنَّ Heyman برع دراميّاً مع أفلام أهمّها "Marriage Story"، و "Gravity"، و "Once Upon a Time... in Hollywood"، بينما برعت Pascal في السلسلتَين الأخيرتَين للأبطال الخارقين "Spider-Man" و "Venom". ما يجعل هذه التوأمة بين الدراما والأكشن ممتازة فرضيّاً، إلى أن يرى "جايمس بوند" النّور من جديد!
أمّا بالنّسبة للتكهُّنات والتوقّعات التي بدأت منذ 5 سنوات حول هويّة العميل الجديد، فيتبيَّن لي أنّ المنتجين سيستكملون اتّباع استراتيجيّة Broccoli الذكيّة، باختيار ممثّل إنكليزي على وشك الوصول إلى النجوميّة، وليس هناك أفضل من النجم الثلاثيني Josh O’Connor.