توفي أخيراً في الولايات المتحدة الأميركية، العالِم الأميركي ألكسندر باينْز، البروفسور الفخري في جامعة كاليفورنيا - بيركلي (Berkeley) عن عمر ناهز 80 عاماً. ومعلوم أن مدينة بيركلي الصغيرة وذات الشهرة العالميّة تقع على خليج سان فرانسيسكو المتلألئ. أُسست جامعة كاليفورنيا - بيركلي (UCB) في العام 1868، وهي جامعة أبحاث عامة والمؤسِّسة الرئيسة للجامعات العشر التابعة لنظام جامعة كاليفورنيا.
في العام 2021 صُنِّفت هذه الجامعة الأولى بين الجامعات الأميركية وفقاً لتصنيف فوربس الشهير (Forbes) إذ حصل خريجوها على 114 جائزة نوبل حتى اليوم.
يرحل أليكس تاركاً وراءه على مدى أكثر من نصف قرن، إنجازات استثنائية ساهمت في إرساء المبادئ والقوانين الفيزيائية للرنين المغناطيسي النووي (Nuclear Magnetic Resonance). وغيّرت مسار البحث العلمي خلال حياة هذا العالم العلميّة والمهنيّة المميّزة.
وُلد ألكسندر باينز في العام 1945 في روديسيا (Rhodesia) التي أصبحت دولة زيمبابوي في العام 1979. منذ صغره كان أليكس شغوفاً بالموسيقى والشطرنج والعلوم.
بعد نيله شهادة البكالوريوس في الرياضيّات، انتقل في العام 1968 إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ( Massachusetts Institute of Technology) في الولايات المتحدة حيث حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء- الفيزيائية عام 1972. في العام نفسه، انضمّ إلى جامعة بيركلي أستاذاً مساعداً ليترقّى لاحقاً إلى رتبة بروفسور في العام 1980.
بقي طوال عمره في بيركلي حيث أسّس وأدار أهمّ مركز أبحاث للرنين المغناطيسي في العالم كلّه.
كان لي شرف أن أكون من الباحثين الذين عملوا وتشاركوا معه خلال سنين عديدة. التقيته أول مرّة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، في العديد من المؤتمرات العلميّة في أوروبا وأميركا. آنذاك كنت طالباً في باريس في بداية مسيرتي العلميّة. من ثم عرفته عن كثب عندما كنت "بروفسوراً زائراً" لمدة سنة في جامعة كاليفورنيا – سانتا برباره في العام 1989. يومذاك أُعْجِبَ بالمحاضرة التي ألقيتها في قسم الهندسة الكيمائية فأثنى على الابتكارات التي أبرزتها.
6 أيّار من العام 1989، هو اليوم الأجمل في حياتي على الإطلاق، لأنّه يوم ولادة ابنتي الوحيدة كارن في سانتا برباره. بينما كنت في ذلك اليوم في غمرة بحرٍ من الفرح، اتصل بي أليكس باينز هاتفيّاً ودعاني إلى زيارة مركزه للبحوث في بيركلي وإلقاء محاضرة هنالك.
تلت تلك الزيارة علاقة علميّة وشخصيّة عميقة استمرت أكثر من 10 سنوات. لقد وصلت هذه العلاقة إلى أوجّها بعد تسلّمي رئاسة المركز الجامعي الفرنسيّ للبحوث في جامعة السوربون.
بين العامي 2001 و2010، وضعنا آنذاك اتفاقات شراكة بين الجامعتين بغية تعزيز التميّز الأكاديمي وفرص التبادل العلميّ والتكنولوجي.
من الإنجازات الرائدة التي حققناها معاً التصوير بالرنين المغناطيسي النووي باستخدام تقنية "الزينون المستقطب بالليزر" ( Laser Hyperpolarized Xenon MRI)، الذي يسمح برفع نسبة وضوح الصورة 10 آلاف مرّة مقارنة بالطرائق التقليديّة التي تستعمل الهيدروجين. هذه التقنيّة المبتكرة فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء وعلوم المواد والطب، وهذا ما جعلها مجالاً واعداً للدراسة والتطوير.
حصل باينز على جوائز مرموقة مثل ميدالية لانغمير (Langmuir) وميدالية فاراداي (Faraday) وجائزة وولف ( Wolf) في الكيمياء . تُعدّ جائزة وولف واحدة من أعرق جوائز الكيمياء العالمية، بعد جائزة نوبل.
كذلك كان عضواً في الأكاديميّة الوطنيّة الأميركية للعلوم في الجمعيّة الملكيّة البريطانيّة في لندن. وحلّ أيضاً بروفسوراً في جامعة أكسفورد (Oxford) وجامعة كامبريدج (Cambridge) وجامعة هارفارد (Harvard) وجامعة السوربون في باريس .
كان أليكس أكثر من مجرّد عالِم ومرشد. لا أعرف أيّاً من طلاّبه السابقين لم يكن معجباً به حتى الولع. نراهم اليوم يتبوأون أعلى المراكز البحثيّة في أوروبا وأميركا .
غياب أليكس باينْز موجع إذ افتقدت الحركة العلميّة واحداً من أقطابها الكبار. شخصيّاً، افتقدت صديقاً رائعاً ومُلهماً.
(*)نائب رئيس جامعة السوربون سابقاً