في نهاية هذا الأسبوع، تعود سلطنة عُمان لتلعب دورها المألوف كمساحة رمادية للدبلوماسية الهادئة، إذ تستضيف جولة جديدة من المباحثات بين واشنطن وطهران—خصمان لدودان أسيران لدائرة من انعدام الثقة الاستراتيجي، والارتياب المتبادل، والفرص الضائعة.
ورغم أن مشهد اللقاء في مسقط قد يوحي بالحياد، ويبدو في مظهره شبيهاً بالديبلوماسية التقليدية، فإن ما يدور فعلاً هو أقرب إلى مسرحية سياسية مكتوبة مسبقاً منها إلى مفاوضات حقيقية.
عُمان، صاحبة الدور التاريخي كوسيط محايد في المنطقة، تعود اليوم إلى المسرح، عبر وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، الذي يسعى إلى ردم الهوة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف—رجل أعمال مقرّب من الرئيس دونالد ترامب، أكثر منه ديبلوماسي تقليدي، ويجسّد العقلية التفاوضية لعالم الصفقات أكثر من عالم السياسة الخارجية.
الرئيس ترامب، في ولايته الثانية، يعود إلى الساحة الدولية بمزاج متشدد، يهدد تارة باستخدام القوة، ويغرّي تارة أخرى باتفاق “أقوى وأوسع”. من الجانب الإيراني، تؤكد طهران أن أي حوار سيبقى غير مباشر، وأن لا مفاوضات حقيقية قبل خطوات حُسن نية أميركية.
هذه اللحظة تتجاوز مسألة التخصيب النووي أو مصير الاتفاق النووي لعام 2015. إنها لحظة تتعلق بموازين القوى، بالردع، وبالنفوذ الإقليمي. فإدارة ترامب لا تسعى إلى إحياء الاتفاق، بل تهدف إلى صياغة إطار أشمل، يشمل برنامج إيران الصاروخي، ويحدّ من نفوذها الإقليمي، ويُنتزع منها تنازلات تعتبرها طهران تفكيكاً استراتيجياً لأمنها.
إيران، بدورها، تدرك عمق الرهانات. أحد كبار المسؤولين سأل: “نُفكك برنامجنا النووي؟ نوقف صواريخنا؟ ومن يحمينا؟ نتنياهو؟” سؤال يكشف عن عمق المخاوف في طهران. فمع تراجع قوة حزب الله في لبنان، وتحوّلات الساحة السورية، وتصاعد التحالفات الإسرائيلية في المنطقة—في ظل ترسانة نووية غير معلنة—تعتبر إيران أي تفكيك لقدراتها الدفاعية دون ضمانات أمنية، مغامرة مميتة.
مقاربة ترامب تُذكّر الإيرانيين بـ”النموذج الليبي”، الذي يعدُ بالتطبيع مقابل نزع السلاح الكامل. غير أن ذاكرة طهران تتجه صوب بغداد عام 2003: دبلوماسية قسرية مغلفة بخطاب تغيير الأنظمة. وإيران، بوعيها التاريخي، لن تقبل بتكرار سيناريوهات خُطّت في واشنطن، وتذكرها بمآلات غزو العراق.
في الأثناء، المنطقة تغلي من غزة إلى اليمن، مروراً بلبنان. فشل جولة مسقط قد لا يكون مجرّد انتكاسة دبلوماسية، بل شرارة لمواجهة أوسع، خصوصاً مع تصاعد خطر المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل. روسيا، بدورها، تراقب من بعيد، مستفيدة من أي تورط أميركي أعمق، وقد عززت مؤخراً شراكتها مع طهران باتفاق استراتيجي يمتد لعشرين عاماً، يؤشر إلى طموحات روسية طويلة الأمد في الإقليم.
في النهاية، مصير محادثات مسقط لن تحدده جداول اللقاءات ولا بروتوكولات الاستقبال، بل القدرة السياسية على كسر النصوص المألوفة. فحين تغيب الثقة، تتحول الدبلوماسية إلى استعراض. وإذا لم تزِين طهران التغييرات بدقة والانفكاك عن السرديات القديمة، فإن هذه الجولة، كسابقاتها، ستضيف فصلاً جديداً إلى كتاب الجمود أو حتى أخطر من الجمود، لكن لا إلى صفحات الحل.