جوزيفين حبشي

الحرب TRAGIC العبرة فن - TASTIC

5 دقائق للقراءة
بعد الحرب وقبل الإعمار (رويترز)








أبشع شي صار بحياة كلّ لبناني، هيّي الحرب اللّي ابتدت بـ 13 نيسان 1975، ولهلأ تداعياتا بعد ما خلصت. صحيح في ذكريات كتير مؤلمة، بس كلّ تجربة قاسية و "تراجيك"، ممكن تعلّمنا درس "فنتاستيك". عشيّة ذكرى 13 نيسان، ذكريات وعِبَر مع الممثلة رندة كعدي، المطرب غسان صليبا، الممثّل والمقدّم الكوميدي نعيم حلاوي، والكاتبة والمخرجة والممثلة المسرحيّة بيتي توتل.



رندة كعدي: "يا منعيش سوا يا منموت سوا"


13 نيسان 1975، كان يوم أحد، وكنّا راجعين من رحلة بالمدرسة. أوّل ما وصلنا على عين الرمانة كانت الطّرقات كلّها مسكّرة بأوتوبيس الدولة الأزرق الكبير، وكانت هيدي أول صدمة إلي، إنو يييه، شو صار؟


بهيديك الفترة بتذكّر كان في كتير رعب. واللحظة اللي ما ممكن إنساها بعمري هيّي لمّا القنّاص صاب المرحومة أمي. الحمدالله ما ماتت من الرصاصة بلحظتا، بس ضلّت الشظيّة بصدرا لمَيلة الشمال مرافقتها طول العمر، والحمدلله ما فاتت عالقلب. وكل ما كانو يعملولا "إيكو" كانت تطنّ، لأن بقيت جُوّا، ذكرى من الحرب، وما قدرو شالوها، لحد ما راحت وأخدتها معا.



والحرب طوّلت، ولهلأ ما خلصت. هيّي بلّشت بـ 13 نيسان 1975، وبعدنا عم نعيش ترسّباتا. في قصص كتير قطعنا فيها، وخلّتنا نكفّي حياتنا، ونتعلّم رغم الخطر. بتذكّر كنت إقطع معبر سبق الخيل تأوصل على "معهد الفنون الجميلة" بفرن الشبّاك، أنا وحبلة ببنتي بترا. ومن بعد ما خلّفت، كنت إحملها معي بالـ "Kangaroo Sack" هيّي والكرسي وإقطع المعبر، وبالعلامة كان الإستاذ ريمون جبارة يهزّلا الكرسي، وهوّي اللّي سمّاها بترا. ما بنسى شو قلّي مرّة: "إذا إنتي خَوتة وبدِّك تموتي لتحقّقي حلمك وتدرسي مسرح، شو ذنبا هالطّفلة بدك تعتّريها معِك". وجاوبتو: "يا منعيش سوا، يا منموت سوا".



يمكن الشي الإيجابي إنو ما استسلمنا إيام الحرب، بس الحرب ما قوّتني، وبعدني لهلأ لمّا إسمع حتّى الفرقَيع، بِنقَز. وللأسف ما عم يخلّونا ننسى هالأصوات، وكلّ فترة، لبنان بيرجع ينتكس، بأشكال مختلفة من الحرب.



الممثلة رندة كعدي



رندة كعدي وابنتاها




غسان صليبا: "القوي هو اللي بيمنع الحرب"


الحرب كلّها بشعة، بس الحرب الأبشع بالنسبة إلي،والذكرى اللي ما بتفارقني هيّي الحرب بين الجيش بإمرة ميشال عون و "القوات اللبنانية". يومها تركنا الأشرفيّة لأنو ما في ميّ ولا كهربا، ووسام كان عمرو أشهر، ونحنا حاملينو وعم نقطع على خطوط التّماس، وعم نمشي بين الألغام والآليات. قطعنا مشي نفق نهر الكلب، ووسام على كتفنا، والقذايف عم تنزل حوالينا.


ذكرى ولا أبشع، وتنذكر وما تنعاد. الظاهر إنّو نحنا كلبنانيّي ما تعلّمنا شي من كلّ الحروب اللي مرقنا فيها: من الحرب الفلسطينيّة، للحرب الأهليّة، وحروب الإخوة بين بعضن. ناقصنا كتير وعي لنقدر نبني بلد.


يمكن العِبرة الوحيدة اللي طلعنا منها من هالحرب، إنو الإنسان للإنسان بلبنان، وما حدا بيوقف حدّنا غير بعضنا، لا زعيم ولا طائفة. أخيراً بحبّ قول إنّو القوي هو اللي بيمنع الحرب، مش اللي بيتسبب فيها.



الفنان غسان صليبا




بيتي توتل: "بعدني بتذكّر ريحة الدم والموت"


يا لطيف، رجّعتيني شي 50 سنة، لأنّو أنا خلقت مع الحرب تقريباً، وأسئلتك خلّتني غصّ. أبشع ذكرى من الحرب، هيّي ريحة الموت. هونيك ليلة كان في قصف كتير قوي عنّا بالأشرفية، وكنّا كلّنا بالملاجئ، ونزلت قذيفة عالبناية اللّي حدّنا، وتوفّى جارنا. كنت ولد وعملت "بانيك". تاني يوم الفجر، كلّ بيت عطي سطل ميّ صغير، ليشطفو الدّرج من دمّ الجار. كنت ولد، ووقفت عالبلكون راقب المشهد، وبعدني لهلأ بتذكّر ريحة الدم والموت.


يمكن الشي الإيجابي اللي علّمتنا ياه الحرب من وجهة نظري، واللي ما بشوفو عند الجيل الجديد، هوّي قيمة الإشيا الصغيرة، متل الخبز والميّ. نحنا جيل الحرب منعرف شو يعني قَطعة الميّ والخبز، وشو يعني نجمّع ميّ الجلي لنكبُّن بالحمام، ونتحمّم ونترك الميّ لنشطف فيهن البالكون، وننطر ساعات لنحصل على ربطة خبز. هالحرب علّمتني شو يعني تضحية ومشاركة.


كانو الأمهات، أول ما تجي ربطة خبز عالبناية، مين ما كان جايبها، يطعمو أوّل شي كلّ الولاد. ما بنسى جارتنا بالطابق الأول، كانت تستقبل كلّ الجيران من الطوابق العالية لما يبلّش القصف. هالقيَم يمكن تبيّن بسيطة، بس بالنسبة إلي كتير مهمّة، ولليوم ما فيّي شوف حنفيّة مفتوحة وما سكّرها، أو لقمة خبز عم تنكبّ. الحرب علّمتنا القناعة وكيف نتكيّف مع الأسوأ. صرنا قنوعين، وما بعرف إذا هيدا شي إيجابي؟ يمكن سلبي، لأنّو صرنا نقبل بشو ما كان، منقبل ننذلّ وتتمسّح فينا الأرض ويسرقولنا مصرياتنا وأحلامنا، بس المهمّ ما ترجع الحرب.



الممثلة بيتي توتل



نعيم حلاوي: "أنا من اللي شهدو الشرارة الأولى للحرب"


كتار عايشوا الحرب، بس أنا من القلال اللي شهدو الشرارة الأولى للحرب بأم العين. قبل ما تصير حادثة البوسطة بساعتين تلاتي، كان في إفتتاح كنيسة بعين الرمانة. وبيتنا كان مُطِلّ عالكنيسة وكنّا واقفين عالبلكون، وصار مشكل بين مجموعة مسلّحة مرقت بالمنطقة، وعِلقِت مع الشباب، وساعتها سقط الشهيد الاول بالحرب اللبنانية جوزف بو عاصي، مرافق الشيخ بيار الجميل.


درس إيجابي علّمتنا ياه الحرب؟ يعني فينا نحكي شِعر قدّ ما بدِّك، بس عنّا بلبنان بدّنا معجزة إلهيّة تزبّطلنا راسنا حتى ما نِعلق مع بعض. بحس نحنا مجموعات معادية لبعضا البعض، وكأنو جامعينّا بالقوّة سوا بهالبلد، وجابرينّا نقعد ونتّفق لنعمل بلد، وبأي فأسة ممكن ترجع تولع الحرب. ما في مواطَنَة مزبوطة، ويا ريت منوصل ليوم منستوعب إنّو الحرب مش لعبة وما فينا نجرّب حظّنا كلّ مرة، لأنو النتائج كوارثية.



الممثل نعيم حلاوي