77778

الإصابات

610

الوفيات

39123

المتعافون

جاد حداد

ما أصل الضغط النفسي المزمن والاكتئاب؟

15 تشرين الأول 2020

02 : 00

تطرح دراسة جديدة أدلة عن الأصول الجزيئية الشائعة للضغط النفسي المزمن والاكتئاب. قد يُمهّد هذا الاكتشاف لظهور علاجات جديدة للاضطرابات المزاجية. منذ ملايين السنين، طوّر أسلافنا الاستجابات النفسية اللازمة للصمود في وجه التهديدات المفاجئة التي يطرحها الخصوم والحيوانات المفترسة.

يؤدي إفراز هرمونات مثل الإبينفرين (أدرينالين) والنورادرينالين (نورإبينفرين) وهرمون الكورتيزول الستيرويدي إلى إطلاق استجابة "الهرب أو المواجهة" المرتبطة بالمواقف العصيبة. لكن يُعتبر الضغط النفسي المتواصل أو المزمن (لا يزول رغم تجاوز التهديد الفوري) جزءاً من عوامل الخطر الكبرى للإصابة باضطرابات مزاجية مثل القلق والاكتئاب.

قد تؤدي التجارب الصادمة خلال المعارك العسكرية مثلاً إلى تضرر قدرة الجسم على تنظيم استجابات الضغط النفسي، ما يُمهّد للإصابة باضطراب إجهاد ما بعد الصدمة.

يسجّل المصابون باضطرابات مزاجية مستويات مرتفعة على نحو غير طبيعي من هرمونات الضغط النفسي، ما يجعلهم أكثر عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية. اشتبه باحثون من معهد "كارولينسكا" في ستوكهولم، السويد، بأن بروتين p11 له دور محوري في إخماد استجابات الضغط النفسي في الأدمغة السليمة بعد انتهاء التهديدات القوية.


زيادة في مستوى السيروتونين

اكتشف بحث سابق أن بروتين p11 يعزز أثر هرمون السيروتونين الذي ينظّم المزاج ويعطي مفعولاً مهدئاً. كذلك، رُصِدت مستويات منخفضة على نحو غير مألوف من هذا البروتين في أدمغة المصابين باكتئاب وأفراد ماتوا انتحاراً.

كانت سلوكيات الفئران التي سجلت مستويات منخفضة من بروتين p11 تشير إلى إصابتهم بالاكتئاب والقلق أيضاً. كذلك، ترفع ثلاثة أنواع من مضادات الاكتئاب الفاعلة لدى البشر مستويات هذا البروتين في أدمغة الحيوانات.

اكتشف الباحثون في معهد "كارولينسكا" حديثاً أن تراجع مستويات بروتين p11 في أدمغة الفئران يجعلها أكثر حساسية تجاه التجارب العصيبة.

أثبت العلماء أيضاً أن البروتين يسيطر على نشاط مسارَين يتلقيان إشارات الضغط النفسي في الدماغ، ما يؤدي إلى تباطؤ إطلاق الكورتيزول عبر المسار الأول، والأدرينالين والنورادرينالين عبر المسار الثاني.

يوضح المشرف الأول على الدراسة الجديدة، فاسكو سوسا: "نعرف أن استجابة الضغط النفسي غير الطبيعية قد تُسرّع الاكتئاب أو تزيده سوءاً وتُسبب اضطراب القلق وأمراضاً في القلب والأوعية الدموية. لهذا السبب، يجب أن نتأكد من أن الرابط الذي رصدناه لدى الفئران بين نقص بروتين p11 واستجابة الضغط النفسي موجود لدى البشر أيضاً".

نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة "الطب النفسي الجزيئي" وتعاون فيها باحثون من معهد "كارولينسكا" ومن "الجامعة الحرة" في أمستردام، هولندا.


فئران مُعدّلة

لاستكشاف دور بروتين p11 في استجابات الضغط النفسي، ابتكر العلماء فئراناً تفتقر إلى الجينة التي تنتج هذا البروتين. ثم قارنوا سلوكها مع الفئران العادية عبر استعمال مجموعة متنوعة من الاختبارات النموذجية. فتبيّن أن القوارض التي تفتقر إلى البروتين تواجه أعلى مستويات الضغط النفسي والقلق.

في أحد الاختبارات، فُصِل صغار الفئران عن أمهاتها طوال ثلاث ساعات يومياً. اكتشف الباحثون أن القوارض الصغيرة التي كانت تفتقر إلى البروتين أطلقت كمية إضافية من نداءات الاستغاثة القوية، أو الإشارات فوق الصوتية، مقارنةً بالفئران العادية.

وفي اختبار آخر عن سلوكيات القلق، وضع الباحثون الفئران الراشدة أمام خيارين: تمضية الوقت في منطقة مُضاءة بضوء ساطع أو في مساحة قاتمة. اختارت الفئران التي تفتقر إلى بروتين p11 تمضية أقصر وقت في المنطقة المضاءة مقارنةً بالقوارض العادية.

كذلك، احتاجت المجموعة الأولى من الفئران إلى وقتٍ أطول لاسترجاع إيقاع قلب طبيعي بعد التعرض للحوافز المُسببة للضغط النفسي. راقب العلماء أيضاً مستويات هرمونات الضغط النفسي لدى الحيوانات، فلاحظوا نشاطاً مفرطاً في مسارَين مختلفَين لدى الفئران التي تفتقر إلى البروتين.

كان محور الجهاز العصبي الودي والغدة الكظرية والنخاع واحداً من المسارَين، وهو مسؤول عن الارتفاع الفوري في مستويات الأدرينالين والنورادرينالين خلال المواقف العصيبة، ما يؤدي إلى تغيرات فيزيولوجية مثل تسارع ضربات القلب.

أما المسار الثاني فهو محور الوطاء والغدة النخامية والقشرة الكظرية. يتجاوب هذا المحور بوتيرة أبطأ بقليل ويُمهد لإطلاق الكورتيزول. هذا الهرمون المرتبط بالضغط النفسي يرفع مستويات السكر في الدم ويُحدِث تقلبات أيضية أخرى ويقمع الوظائف التي لا يحتاج إليها الجسم عند تشغيل استجابة الهرب أو المواجهة.


نحو علاجات أفضل؟


قد تُمهّد هذه النتائج لتطوير أدوية أكثر فعالية لاضطرابات مزاجية مثل القلق والاكتئاب بهدف تعديل مستويات الضغط المزمن.

يقول بير سفينينغسون الذي شارك في الإشراف على الدراسة الأخيرة: "تشمل مقاربة واعدة إعطاء عناصر تعزز التعبير الموضعي عن بروتين p11، وسبق وبدأت تجارب عدة على نماذج حيوانية مصابة بالاكتئاب. تحتاج مقاربة لافتة أخرى إلى استكشاف إضافي، وهي تقضي بتطوير أدوية تعيق إطلاق استجابة الضغط النفسي في الدماغ".

في مطلق الأحوال، تستعمل جميع الأبحاث في هذا المجال الجديد الواعد حتى الآن نماذج حيوانية مصابة بالضغط النفسي والقلق والاكتئاب ولم تصل إلى مرحلة التجارب على البشر بعد.

تقدم الدراسات المخبرية الحيوانية أدلة مفيدة لتطوير الأدوية لكنها قد لا تعكس الآثار المعقدة للعوامل الاجتماعية والبيئية والبيولوجية على تطور الأمراض النفسية لدى البشر.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.