مساء الخميس 24 نيسان، خصّص برنامج "صار الوقت" مع الإعلامي مارسيل غانم، عبر شاشة الـmtv، حلقة استثنائية لدعم راهبات الصليب، تلك الجماعة النسكية التي اختارت أن تجعل من الرجاء رسالة، ومن الخدمة نهج حياة.
من دير الصليب في جلّ الديب، حيث يُحتضن ذوو الاحتياجات العقلية والنفسية، وتُعطى العناية لأطفال التوحّد وللمدمنين، ومن بعلبك دار العناية إلى الدورة، مستشفى مار يوسف الطبي الجامعي، مروراً بالمدارس المنتشرة في مختلف المناطق، تتجسّد يومياً رسالة الراهبات التي تتجاوز معالجة الجسد إلى احتضان الروح والكرامة الإنسانية.
الحلقة، التي بُثّت بعد عامٍ كامل من التحضير بعيداً عن الحملات الترويجية، جاءت صادقة بمضمونها، مؤثرة ببساطتها، واستثنائية بأثرها. للحظات، خرج اللبنانيون من صخب السياسة، وانغمسوا في لحظة تأمل، حين اكتشفوا أن في دير الصليب حياةً كريمة، وفرحاً صادقاً، وسكينة لا تُشترى.
من الولايات المتحدة، حضرت السيدة ريتا مخلوف، من بين أولئك اللبنانيين الذين لم تمحُ الغربة من ذاكرتهم معنى الانتماء. أسّست جمعية "أصدقاء راهبات الصليب" لتُسهم في استمرارية هذه المسيرة النادرة، في زمنٍ باتت فيه المحبة نادرة، والخدمة المجانية ضرباً من الخيال.
الفنانون والفنانات الذين شاركوا في الحلقة عبّروا عن انبهارهم بعمق هذه الرسالة المتجذّرة في الإيمان، مؤكدين أن مصدر هذه القوّة الروحية هو الله ووصايا الأب يعقوب، ذاك القديس الذي زرع البذرة وما زالت تُثمر في أرضٍ عطشى للرجاء.
أما الجوقة المؤلّفة من نزلاء دير الصليب، بقيادة الفنان إيلي خياط، فقد غنّت بروحٍ طاهرة وصوتٍ مشبّع بالفرح، دون عرضٍ لأي حالة مرضية، احتراماً لكرامة الإنسان، ووفاءً لإرادة الراهبات اللواتي رفضن تسليع الألم أو المتاجرة بوجع الإنسان.
تواضع الراهبات كان صمتاً ناطقاً. وجوههن وحدها دخلت قلوب اللبنانيين، وقدّمت شهادة حيّة عن حضور الله فينا. وما شهدناه لم يكن مجرد عرضٍ لمؤسسة خيرية، بل كشف عن جوهر ما يجب أن تكون عليه مؤسساتنا: شفّافة، مقدّسة في عملها، عميقة في رسالتها، مؤثّرة في صمتها.
هذه الحلقة أيقظت فينا روح الامتنان، وأعادت تعريفنا بالإنسانية كما أرادها السيد المسيح، وكما بشّر بها الأب يعقوب حين قال: "كن كاليَنبوع، لا يسأل من أنت، بل يروي الجميع".
مؤسسات الأب يعقوب، التي تخطّت المئة عام، لا تزال تصمد بمحبة المؤمنين بها، وما شهدناه ليس دليلاً على استمراريتها فحسب، بل تأكيدٌ على حتمية امتدادها، طالما الخير باقٍ في قلوب اللبنانيين.
ربما تأخّرنا في الاعتراف بتضحيات راهبات الصليب، لكننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نُدرك تماماً قيمة ما يُمثّلنه. دعمهنّ لم يعد ترفًا ولا مبادرة ظرفية، بل واجب ومسؤولية، كلٌّ حسب قدرته. إنهنّ قيمة مضافة إلى لبنان، قوة روحية في زمنٍ صعبٍ وظالم، نحتاج إلى أمثالهنّ لتستقيم الحياة.