ريتا عازار

" لغة يُتقنها القلب قبل اللسان"

رسائل الحب في الفن المعاصر

6 دقائق للقراءة

في اللحظات الأولى التي لامست فيها يد الإنسان ريشة مغمّسة بالحبر، كانت رسائل الحبّ صلاة سرّية، تُرفع إلى صدرٍ يفيض شوقاً، كانت المرآة التي تعكس وجع الغياب، وتضيء الزوايا المظلمة من العاطفة، بكلمات لم يجرؤ العشّاق على النطق بها.


ذات حبّ، كتب الشاعر الإغريقي سافو: "أجمل ما في العالم، مهما اختلف الناس، هو أن تُحِبّ وأن تُحَبّ". وبهذه العبارة أفصح سافو عن نواة الوجود الإنساني، عن تلك الرغبة الدفينة في أن يُرى الإنسان في أضعف حالاته ولا يُدان، أن تلامس روحه آخر، ويهمس له: "أنا هنا، معك، وفيك". لكن ماذا بعد أن خرج هذا البوح من غرف القلوب المغلقة إلى مسارح العلن؟ هل فقدت الرسالة سحرها حين قُرئت على الملأ؟ هل ذبلت حين مُزّقت حميميتها لتصير عرضاً فنياً؟ أم أنّ الفن المعاصر، ببصيرته الحادة، قد التقط هذا البوح الهش، ونفخ فيه من روحه، ليحوّله من حبر خجول على ورق باهت، إلى طقس شعائري، تلتقي فيه الذوات لتحتفل بأسرارها؟ وكيف انتقلت رسالة الحب من الخاص إلى العام؟ وما الذي يفسّر هذا التحول الجوهري في طبيعة التعبير العاطفي؟



من الحميميّة إلى العام

في التقاليد الكلاسيكية، ظلّت رسالة الحب تعبيراً موجَّهاً لشخص محدّد، وفعلاً خصوصياً يرتكز على الثنائية العاطفية بين المُرسِل والمُرسَل إليه. إلا أنّ الفن المعاصر أعاد تعريف هذه الوظيفة، إذ لم تعد الرسالة تقتصر على البوح الفردي، بل تحوّلت إلى طقس جماعي فني يضم أطيافاً متعددة من الخبرات والمشاعر.


ومشروع صوفي كال الشهير "اعتني بنفسك" (2007)، يُعد نموذجاً بارزاً لهذا التحوّل، إذ انطلقت الفنانة التجريبية كال من رسالة انفصال تلقّتها عبر البريد الإلكتروني من شريكها السابق، فحوّلت الألم الخاص إلى مشروع فنّي جماعي، حيث دعت 107 نساء من مختلف المجالات المهنية - محاميات، فنانات، لغويات، وقارئات تاروت وغيرهنّ - إلى قراءة الرسالة وتحليلها والتفاعل معها. هذا العمل، الذي عُرض لأول مرة في "بينالي البندقية"، كشف كيف يمكن للجرح الشخصي أن يتحوّل إلى حدث فني جماعي، يعبّر عن تجارب إنسانية متنوعة، من خلال نظرات وأساليب مختلفة في التفسير والتأويل. ومما قالته صوفي كال عن تجربتها: "لم أعرف كيف أجيب على هذه الرسالة. لذلك طلبت من نساء أخريات أن يقمن بذلك بدلاً عنّي".

في هذا السياق، تصبح كلّ قراءة للرسالة بمثابة أداء مستقل، جاد، ساخر، غاضب، أو تحليلي. وهكذا، تحوّل الألم الشخصي إلى منصّة للتأمّل الجماعي في طبيعة اللّغة، ومحدوديّة التعبير العاطفي، وخيانة الكلمات للمشاعر. وقد علّقت كال على هذه الفكرة بقولها: "وُلد المشروع من لحظة عجز أمام لغة الحب. ففوّضت هذا العجز".


من خلال هذا العمل المركّب الذي جمع بين النصوص والصور والفيديوات، منحت كال لتلك الرسالة بُعداً فنّياً جديداً، مؤكدةً أنّ التعبير العاطفي يمكن أن يُعاد إنتاجه من دون أن يفقد شحنته الأصلية.



بين الكتابة والعرض المادي

لم يكتفِ الفنانون المعاصرون بتحويل الرسائل إلى أداء جماعي، بل سعوا أيضاً إلى إعادة تجسيدها مادياً داخل الفضاء العام، وقد ظهرت تجارب كثيرة تستخدم فيها الرسائل وسائل بصريّة وحسّية متنوعة: رسائل مكتوبة بخطّ اليد تُعلَّق في الشوارع، أوراق عملاقة تغطّي الجدران، أو كلمات مضيئة تزيّن الواجهات العمرانية. مشروع "رسائل حب إلى الغرباء" يمثّل إحدى هذه المبادرات التشاركية، حيث يُدعى المشاركون إلى كتابة رسائل حبّ مجهولة وإيداعها في أماكن عامة ليلتقطها المارّة صدفة. بهذه الطريقة، تتحرّر الرسالة من إطارها التقليدي المُحدّد، وتصبح فعل محبّة غير مشروط، موجّهاً إلى كل عابر سبيل.



الحب عبر الأداء الحركي

في بعض الأعمال، تتجاوز رسالة الحب النصوص لتتجسد عبر الحركة والمجهود الجسدي. مارينا أبراموفيتش، إحدى رائدات فنّ الأداء، قدّمت مع شريكها أولاي، مشروع "العشاق" (1988)، حيث قاما برحلة فرديّة طويلة على سور الصين العظيم. كلٌّ منهما بدأ من طرف، سائرَين لمسافة 2500 كيلومتر حتى التقيا في المنتصف ليقولا وداعاً نهائياً. وقد وصفت أبراموفيتش هذا الأداء بقولها: "كانت هذه أعظم رسالة حبّ كتبتها، لكنها كُتبت بقدميّ".


لم تعد الكلمات هنا وسيلة التعبير عن الحب، بل أصبح الجسد هو الأداة، والزمن الطويل هو السطر الذي تُنقش عليه المشاعر. تتحوّل الرسالة إلى تجربة حسّية كاملة، تؤكّد أنّ التعبير عن الحب لا يحتاج بالضرورة إلى لغة منطوقة أو مكتوبة، بل قد يتحقّق عبر الفعل الإنساني ذاته.


واصلت أبراموفيتش هذا النهج في أدائها الشهير "الفنان حاضر" (2010)، حيث جلست في صمت كامل أمام زوّار "متحف الفن الحديث (موما)" في نيويورك، متبادلة معهم نظرات طويلة مليئة بالمعاني. تقول مارينا: "على الفنان أن يكون حاضراً"، مؤكدةً بذلك أنّ الحضور الإنساني العميق قد يكون أبلغ من أي خطاب لغوي.



رسالة الحب الرقمية

مع تطوّر الوسائط الرقمية، وجدت رسالة الحب نفسها أمام إمكانيات تعبيرية جديدة، وظهرت مشروعات عرض ضوئي تزيّن جدران المباني برسائل حب عابرة، وبرزت رسائل قصيرة وموقّتة عبر قصص إنستغرام أو تغريدات "أكس" ("تويتر" سابقاً) ومقاطع "تيك توك". وتتميّز الرسائل الرقمية بسرعتها وهشاشتها، فهي تظهر فجأة وتختفي بسرعة، ما يعكس التغيّر في طبيعة العاطفة البشرية ضمن ثقافة اللحظة. وعلى الرغم من ذلك، تظلّ هذه الرسائل شاهدة على استمرار الحاجة الإنسانية القديمة إلى الاعتراف، والحب، والارتباط، حتى وسط عالم سريع الزوال.



بين الديمومة والتحوّل

وسط ضجيج العالم الرقمي وسرعة الإيقاع المعاصر، تبدو رسالة الحب كما وصفها الروائي الفرنسي أنطوان دو سانت - إكزوبيري: "لغة يُتقنها القلب قبل أن يتقنها اللسان". وعلى الرغم من تغيّر الأشكال والوسائط، تبقى رسالة الحب، سواء كانت مكتوبةً بخط اليد، مؤداة عبر أجساد العشّاق، أو متوهجةً فوق جدران المدن، تجسيداً لرغبة الإنسان العميقة في التواصل والتعبير والاعتراف. لقد أظهر الفن المعاصر أنّ الحب لا يُختزل بالكلمات وحدها، بل يمكنه أن يتجسد في النظرة، في المسافة، في الصمت، وفي التشارك الجماعي للتجربة العاطفية.

وبين خصوصيّة الشعور وعلنيّة الأداء، تواصل رسالة الحب اليوم أداء مهمّتها الأبدية، أي مقاومة النسيان، واستدعاء الإنسان إلى أجمل ما فيه أي القدرة على الحب. وهكذا رسائل الحب لا تموت. بل تتجدد، تتكاثر، وتلبس أشكالاً جديدة، وتظلّ حاملةً للحنين الإنساني الأزلي، أي الرغبة في أن نُحِب، وأن نُحَب.



المراجع:

- صوفي كال، اعتني بنفسك، أكت سود، 2007.

-مارينا أبراموفيتش، عبور الجدران: مذكرات، كراون أركتايب، 2016.

-روز لي غولدبرغ – فن الأداء: من المستقبلية إلى الحاضر الناشر: دار تيمز آند هدسون (Thames & Hudson)، 2011.

-مشروع "Love Letters to Strangers" - الموقع الرسمي

-معرض "The Artist Is Present"، متحف الفن الحديث - موما، نيويورك، 2010.