يعيش لبنان في هذا الشهر انتخابات بلدية منذ آخر انتخابات جرت عام 2016.
يتبدّى من الوهلة الأولى أن الانتخابات هي الفرصة لتجسيد الديمقراطية، بحيث يكون الناخب أمام خيارين: إما أن يجدّد لنهج قائم يطلب الثقة والتجديد له، وإما أن يحاسب ويختار نهجاً آخر جديداً بهدف التغيير.
لكنّ المشكلة تكمن في أنّ العملية الانتخابية بحدّ ذاتها تشوبها مشاكل ومعوقات قد لا تعكس حقيقة الواقع القائم وما تختلجه النفوس، لا سيّما مع سيطرة لعبة المال وقت الانتخابات، بحيث يتمّ شراء الأصوات والضمائر والمواقف، إضافة إلى الضغط على البعض بمصالحه وأرزاقه، ولا ينتهي الأمر إلى رمي التهم جزافاً على كل من يطمح إلى التغيير بغية تشويه صورته أمام الكافة.
إن الانتخابات بالمطلق منذ القدم وحتى يومنا، تدار هكذا رغم المحاولات الخجولة التي تقوم بها الدولة للحدّ من تلك التجاوزات.
وبالعودة إلى الانتخابات الديمقراطية الأولى الموثقة في التاريخ، فقد كانت عندما صوّت الشعب لمصلحة المجرم برأبا بوجه المسيح الذي صلب ظلماً. كلّنا يعلم أنّ الشعب عندما هتف لمصلحة برأبا، لم يكن يعلم وقتها ماذا يفعل ولماذا لا يقترع بحسب قناعاته، لا سيّما أنه لم ير سوءاً مِمَّن طلب صلبه. لكن من كان ماسكاً بزمام الأمور وقتذاك، حرّك الرأي العام ببعض من الفضة لصلب من اعتقد أنه سيشكّل خطراً على وجوده في السلطة. فاستخدمت وقتها الديمقراطية بطريقة خاطئة أدّت إلى تبعات ونتيجة خاطئة. والتاريخ يعيد نفسه في كل استحقاق انتخابي، إذ ليس كل من أعيد انتخابه أو صوّت له يعتبر ممثلاً حقيقياً للإرادة الشعبية، فكم برأبا وصل إلى السلطة أكانت محلية أم على صعيد الوطن وهو غير أهلٍ لها!
أبعد من ذلك، يتوجّب على الشعب أن يسأل نفسه لماذا يقوم مرشح أو لائحة بدفع أموال له ليقترع لمصلحتها، فهل دفع الأموال يعكس أهليته أم رغبته في استعادة تلك الأموال بطريقة مضاعفة؟ أما السؤال البديهي فهو: إذا لم يستطع فريق عمل سبق له وأن تسلّم سلطة محلية أن يفي بوعوده، لماذا يريد من الناخبين تصديقه بأنه سينجزها في السنوات اللاحقة إذا أعادوا الثقة به وانتخبوه؟ ألا يقول المثل "من جرب المجرب كان عقله مخرب"؟.
بالنتيجة، إن الانتخابات البلدية فرصة لمشاركة المواطن في صنع القرار وتقرير مصيره لست سنوات مقبلة. فالناخب مسؤول عن المحاسبة أكانت بطريقة سلبية أي محاسبة من أولاه ثقته والاتجاه نحو التغيير أم بطريقة إيجابية بالتجديد لمن اقترع له سابقاً وذلك بغية الوصول إلى تحسين ظروف حياته اليومية. وعلى الجميع أن يتذكر أنّ وراء العازل ورقة تجسّد كرامته، ومصيره ومصير أولاده، ورقة قد تغيّر مجريات حياته، سيقترع بها في الصندوقة. فليحسن جميع الناخبين الخيار لأن سوء استخدام الديمقراطية يأتي بثمار فاسدة.