ريتا عازار

التلفزيون زمان والبحث عن "أعز ما تملك" (1 من 2)

المتسلّلة الصغيرة إلى حضن "الموغادور"

6 دقائق للقراءة

تخيّلوا عالماً بلا ريموت كنترول، بلا باقة قنوات، وبلا برامج على مدار الساعة. كأنكم تركتم الدنيا وصعدتم إلى كوكب البساطة، واستقرّ بكم الزمان في عصرٍ ذهبي من الانتظار. عصر ثلاث قنوات فقط: 7 و11، والقناة 9 بالفرنسية، التي كان الكثيرون يتابعونها إما لإنهم فرنكوفونيّون أقحاح أو كرمى لـ "البرستيج".



لم تكن البرامج تبدأ قبل السادسة مساءً. نعم، التلفزيون كان يأخذ "نومة القيلولة" الطويلة، ونحن ننتظر أمامه كمن ينتظر فستان الشعانين. وكنتُ، حضرتي، طفلة صغيرة أفعل ما يطيب لي، فأمي متسامحة وأبي مسافر، وأنا آخر العنقود أجلس أمام الشاشة السوداء، أراقب انعكاسي وأتخيّلني مع "فهمان" على القناة 7، وأعدّ الثواني حتى تبدأ الشارة الأولى، تلك التي كانت في نظري لحظة إعلان "السحر اليومي".


عندما تُضاء الشاشة أخيراً، كان البيت يتحوّل إلى صالة سينما. لا أحاديث جانبية، لا قرقعة صحون، وأي صوت من المطبخ كان يُعتبر مؤامرة. التلفزيون كان المعلّم، والسلطة العليا، ومصدر المعلومات والمشاعر والمقالب والدموع.



من جورج فرشخ إلى أبو سليم


كان جورج فرشخ يختم نشرة الأخبار بانحناءة صغيرة، "شكراً لإصغائكم"، وكنّا أنا وأخي ننتظر تلك الانحناءة كمن ينتظر سلاماً شخصياً. كنا نؤمن – بل نُقسم – أنه يحيّينا نحن فقط. لا أذكر كيف كانت ملامحه بالضبط، لكنّني أذكر الفرح النادر الذي كنّا نشعر به عندما ينحني. يا له من شعور وطني، خاص، كما لو أنّ الجمهورية تعترف بوجودنا، نحن الصغيرَين الفهلويَّين.


أما "أبو سليم"، فذاك رجلٌ آخر. من أيام "فهمان" حين لبس بدلة رقص وصار "فيفي" يهزّ خصره كأنه راقصة "باب أول"  من "بلاد النيل"، إلى زمان "مليون ونص كلوزيلو" عوض "كوروزيرو"... وكيف صارت الأمور بعد سنوات: "صفّينا عالزيلو" عوض "الزيرو". كأننا نتمرّن على اقتصاد الأزمات منذ الطفولة.


ضحكتنا كانت حاضرة من "أبو سليم وكستنا بستنا بوف"، و "درباس" و "البالوعة المنزوعة"، وسهام التي لم تطل. و "أسعد" النعسان ودائم النسيان... كم أحببته. في رأسي لا يزال يبهرني بقلم الكاتب أنطوان غندور في شخصية "دويك" يقول لجميلة سبعينات القرن الماضي سيلفانا بدرخان: "بحبّك عشرة كيلو، يا كيلو!". وكان اسم "كيلو" دلع "كليوبترا". وكأنّ أنطوان غندور كتب المشهد ليشعل فينا ثورة المشاعر الطفولية الغريبة.



شرائط الذاكرة العتيقة


"شباب 73"؟ يا سلام. أذكر من كل حلقة "طراطيش" جميلة ومؤثرة. لا أنسى آخر مشهد لإلين تابت وهي تقود سيارتها وتسترجع شريط أيامها، وأنا جالسة أمام الشاشة أحلم: "متى سأفعل مثلها؟، متى سأقود سيارة وأسترجع شريط حياتي؟". مضت السنوات، واسترجعت الشرائط، لكن لم أعد أهوى قيادة السيارة.

ولا أنسى لهاث علي دياب في "المليونير المزيّف"، وطرافة فريال كريم التي كانت – بحقّ – كوميديّة من العيار النادر. حتى في "أم خبار"، أتذكّر شعرها وضحكتها، ولو أنني لا أذكر الكثير من القصة. بعض الذكريات لا يحتاج سرداً، فقط صورة شعر أملس وضحكة.



عقدة جمال الأميرة


أمّا هند أبي اللمع، فلها صفحة خاصة في ذاكرتي. من مسلسلها الأول "غروب"، عندما قالت: "شدّي خصري سأبدو أجمل من العروس"، كدت أقف وقلبي يصفّق. كنت أراها أميرة، نجمة رائعة، تقارع سكارليت أوهارا في فيلم "ذهب مع الريح".


لم أفوّت لها مسلسلاً، وكان لها تأثير كبير في قلوب الناس، أتذكر حين كنّا ندرس استعداداً لتقديم امتحان البكالوريا – القسم الثاني، كنّا مجموعة من الأصدقاء قرّرنا قضاء "روتريت" دراسي في ديرٍ في برمّانا. وكان هناك بعض الفتيات يعملن في المطبخ، يقدّمن الطعام على المائدة. بينهنّ فتاة لم يكن يشغل بالها سوى أمرٍ واحد:


أن تُثبت – بكل السبل الممكنة – أنّها أجمل من هند أبي اللمع! كانت تقول بثقةٍ مُطلقة إنّ هنداً لا تملك عينَين جميلتَين على الإطلاق، وإنّ زوجها المخرج هو مَن يقرّب الكاميرا منهما ويجمّلهما تقنيّاً!، "أما أنا، فعيناي أجمل بكثير، لكن لا أحد يسلّط الضوء عليهما"، كانت تُصرّ على تكرار هذه العبارة. والطريف في الأمر، أنّ تلك "المسكينة" التي كانت مهووسة بإثبات تفوّقها الجمالي على "الأميرة هند"، كانت لها عينان أقرب ما تكونان إلى عينَي الحَوَل بلا أي حسن!



لا للبوح

كنت أعشق "ستوديو الفن" 73 و74، عشقاً لا يفهمه إلا من تذوّق تلك السهرات، حين كانت الكاميرات تلمع، والأصوات تصدح كأنها تصعد من أرواح ناس تعرف معنى الشغف. كنت أعدّ الأيام حتى يحين مساء السبت، وأشعر أنني أستعد لعرس لا أرتدي فيه بدلة، بل أجلس بـ "بيجامتي" بشعرٍ مصفّف خصيصاً، وكأنّ الكاميرا قد تلتقطني من خلف الشاشة. في المدرسة، كنت أمارس نوعاً من التعالي المُبرّر. رفاقي  أولئك المساكين  كانوا "ينامون مع الدجاج"، وأعني هذا حرفيّاً: يطفئون الأضواء عند الثامنة ويغفون كأنهم عائدون من حصاد يوم شاق. أما أنا، فسهرتي كانت مقدّسة، لا يُقاطعها إلا الإعلان، ولا يُشاركها أحد في البيت إلا مَن يفهم لغة "المجد الفنّي".


كنت أقول لهم إنّ وليد توفيق لا يعجبني، وأتظاهر بالنقد الموضوعي وبأنني منحازة أكثر للأصوات الطربيّة "الجدّية". لكن الحقيقة؟ كنت أذوب إذا غنّى "عيون بهيّة"، وأترقّب طلّته كما يترقّب العاشق طلة من يحبّ. لكن لم أكن أحب الاعتراف، فأنا قويّة  يا سلام ، لا أُعجب بأحد. "ستوديو الفن" لم يكن مجرّد برنامج، كان بالنسبة لي مناسبة وطنية غرّاء، معركة بين الساهرين الليليّين أمثالي، والنائمين قبل نشرة الطقس. وأنا؟ كنت دوماً في صفّ الحياة.



الموغادور


ليلة الثلثاء أو الخميس، ما عدت أذكر بالتحديد، وأنا في صف "السيتييم"، كنت أعيش حياة مزدوجة: تلميذة مجتهدة نهاراً، ومتسلّلة محترفة ليلاً. حين ينام البيت، أخرج من تحت اللحاف كأنني عميلة سرّية، أجرّ قدميّ على رؤوس الأصابع، وأتسلل نحو الجهاز العجيب  ذاك الذي نسمّيه التلفزيون  لأضيئه على القناة 9. هناك كان يُعرض مسلسل "Les Gens de Mogador"، وكان بالنسبة لي أشبه بموعد غرامي لا يُفَوّت، مع كل تلك الرومانسية الثقيلة والعواطف الفرنسية التي لم أكن أفهمها كلّها، لكنها كانت تسحرني بشكل كامل.


كنت أختبئ تحت الغطاء، كأنّ الضوء الخارج من الشاشة يكشفني، أتابع الأحداث وأتأثر وأفهم نصف الكلام وأتظاهر بفهم النصف الآخر. وعندما تنتهي الحلقة، أعود إلى سريري كنادمة سعيدة. وفي كثير من الليالي، كنت أصحو عند الثالثة فجراً، أفتح دفاتري، وأبدأ بإنهاء فروضي ودروسي التي أهملتها طواعية، لا كسلاً، بل إخلاصاً لجمال التلفزيون.



تحت المرجوحة


أما "أبو ملحم"... فهناك ذكريات لا أنساها منه، أو بالأحرى ثمّة معضلة حملتها منه، غير الناموس والأخلاق وطرافة "أم ملحم" واختراعها للغة إنكليزية خاصة بها، تبقى في بالي خصوصاً تلك الحلقة التي ظهر فيها إيلي صنيفر وقد تزوّج حديثاً من ليلى حكيم، واكتشف فجأةً أنها "فقدت أعزّ ما تملك... تحت المرجوحة". أنا، الطفلة التي كنتُ أحسب نفسي شعلة ذكاء، لم أفهم ماذا فقدت ولا لماذا المرجوحة. فقط صرت، منذ تلك اللحظة، أراقب أيّ مرجوحة تقع في طريقي، علّني أعيد لتلك المسكينة ما فقدته. وما زال البحث جارياً... ولا أمل.




من الأجمل؟

زمان يا "أبو ملحم"