لم يمضِ ستة أشهر على بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى بدأت معالم تحول واضح في سياسته الخارجية تتبلور، خصوصاً تجاه إيران. الرجل الذي حمل إلى البيت الأبيض شعارات مثل "استعادة الهيبة" و"إنهاء الحروب العبثية"، يبدو اليوم أكثر استعداداً لأداء دور الوسيط الإستراتيجي، كما تشهد ساحات مثل أوكرانيا وغزة، وأيضاً عبر تنسيقه الوثيق مع الرياض. لكن الرهان الأكبر يظل متمحوراً حول إيران، الخصم الإستراتيجي التاريخي لواشنطن، والتي كانت محوراً للمواجهة المفتوحة خلال ولايته الأولى.
في عام 2018، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015 (JCPOA)، مطلقاً حملة "الضغط الأقصى" ضد طهران التي بلغت ذروتها باغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في 2020، في خطوة أعادت تشكيل ديناميات الصراع في المنطقة. هذه السياسة التي سعت إلى عزل إيران اقتصادياً وسياسياً، جاءت بنتائج عكسية في بعض جوانبها، بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، إذ دفعت إيران لتشديد قبضتها داخلياً وتوسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكاتها الممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لكن الوضع اليوم بات مختلفاً تماماً. إيران تقف على أرض هشّة إقليمياً بعد تراجع نفوذ أذرعها، لا سيما بعد خسارة حماس لقدرتها في غزة، وانهزام حزب الله في لبنان تحت ضغط الضربات والعمليات الإسرائيلية التي تتخطى قدرة الحزب على التصدي والمواجهة، وبعد انحسار الحوثيين في اليمن بعد الضربات الأميركية المدمّرة وضربات حلفاء أميركا كـبريطانيا وإسرائيل. كل هذه العوامل قلّصت حدّة الصراع، وفتحت الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في الخليج والمشرق.
هذا المشهد الإقليمي دفع طهران إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، فأصبحت ترى في العودة إلى طاولة التفاوض فرصة استراتيجية، لا لتحسين أوضاعها الاقتصادية فقط، بل لكبح التوترات الداخلية المتصاعدة، وحماية استمرار نظامها.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا قرّر ترامب أن يفتح هذا الباب الآن؟ والإجابة تكمن في النظرة الإستراتيجية الأوسع التي تتبناها إدارته: الخروج التدريجي من وحل الشرق الأوسط، والتوجّه بشكل حاسم نحو التحدي الصيني. ففي خطابه بالرياض في أيار، انتقد ترامب بشدة ما أسماه بـ"مهندسي الأمم" الذين ورّطوا أميركا في "حروب لا نهاية لها"، وتعهد نائبه جي دي فانس، في خطابه من الأكاديمية البحرية، بإنهاء النزاعات المفتوحة والمهمات الغامضة.
لكن الواقع يظل أكثر تعقيداً من الخطابات. فالمحادثات التي يقودها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصلت إلى مرحلة حساسة، إذ تصر واشنطن على تفكيك كامل وصارم لقدرات إيران في تخصيب اليورانيوم، بينما ترفض طهران التخلي عن "حقها السيادي" في الطاقة "النووية السلمية". الواقع الميداني يفيد بأن إيران تمتلك اليوم، وفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كمية كافية من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% تضعها على أعتاب القدرة النووية العسكرية.
ما يزيد الأمور تعقيداً أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018 أدى إلى غياب شبه كامل لآليات الرقابة الدولية، ما سمح لطهران بمراكمة الخبرات والمخزون بسرعة فائقة. وبالتالي، فإن أي اتفاق مستقبلي لا بد أن يعالج هذه النقطة بآليات تفتيش ورقابة صارمة، ربما تتجاوز في شدتها اتفاق 2015.
الإدارة الأميركية منقسمة حالياً بين تيارين: الأول يدعو إلى صيغة وسطية تشمل تجميداً مؤقتاً لقدرات التخصيب أو رقابة مشتركة خليجية-دولية، والثاني يصر على خيار "صفر تخصيب" كضمان وحيد لمنع تسلّح نووي محتمل.
يبقى خطر انهيار المفاوضات قائماً، مع احتمال عودة الأصوات المنادية بالحل العسكري داخل الحزب الجمهوري وبعض حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. لكن دروس الماضي تشير إلى أن مثل هذا الخيار قد يُغرق المنطقة في دورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار، من اليمن إلى العراق ولبنان، ويعيد الجنود الأميركيين إلى قلب الصراع.
وهناك من يرى أن استمرار النظام الإيراني بحد ذاته يمثل تهديداً إستراتيجياً مستمراً، ما يجعل الخيارات المطروحة تتراوح بين إسقاطه بضربة أميركية-إسرائيلية بعد القضاء الكامل على أذرعه الإقليمية، أو الحصول على ضمانات صارمة من طهران بعدم التخصيب، والتوقف عن التدخل في الشؤون العربية، والتوقف عن دعم الميليشيات المسلحة. لكن ضربة عسكرية لا تفضي لإسقاط النظام، قد تؤدي إلى خلط أوراق المنطقة بشكل معقّد وخطير.
إذاً، فإن الخيار ليس سهلاً، والمفاوضات الجارية تشكل جزءاً محورياً من تحديد مستقبل المنطقة. في هذا السياق، فإن دور الرياض وبغداد وبيروت ودمشق في ضبط النفوذ الإيراني، يمثل عنصراً جوهرياً في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديدة، ويعزز من فرص نجاح الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. هكذا قد تبدأ مرحلة تاريخية جديدة، يكون أساسها السلام والدبلوماسية، إذا ما فهمت إسرائيل حدود قوتها وقبلت بحل الدولتين. وفي حال رفضت، سيبقى الاستقرار جزئياً وهشّاً حتى إشعار آخر.