لم يكن مستغرباً من الأحزاب والجهات اللبنانيّة المتباينة بأفكارها وتطلّعاتهاالسياسية، أن تتآزرَ وتتواجد معاً في حفل توقيع كتاب النائب والوزير والسياسي اللامع الراحل جان عبيد، لأنّه جمع بفكره ما تفرّق، وحاكَ ما تمزّقَ من الثوب الوطني للشعب المنكوب والمعلّق على شفير الهاوية، وهو الذي كان يجيد لعبة الالتحام والالتئام والاتّحاد في المهمّات الشاقّة، فقد خاض غمار السياسة في خضم الحرب الأهليّة، وتولّى أكثرَ من منصبٍ سياسيّ بارز، من مستشار لرئيس الجمهورية ومن ثمّ نائب ووزير ومن ثَمٌَ وزير للخارجية ،، وقد عزلَ انسانيّته عن السياسة، فأجاد التعبيرَ عن واقعه، وهزم النفاقَ والصراع والتطبيلَ العبثي للحق، وانحازَ للعدالة.
كان لعبيد المقدرة العظيمة في وصف عيوب المجتمع، وكان كما وصفه والدي رحمه الله، والذي كان صديقاً مقرّباً منه، له مقدرة الوصول الى حلول وعلاج لكلّ داء من خلال الحوار والدبلوماسيّة، كما كان يتمتّعُ بلسانٍ فصيح، وقوّة الملاحظة، وبديهة حاضرة، ويميلُ الى الدعابة وامتلاك قلوب من عرفه.
والى جانب ميوله السياسيّة، كان دائمَ اليقظة الى ما حوله، يسوّرُ الحياةَ من خلال رؤيته الثاقبة، ويمقت النفاقَ والرياء.
وقد كرّر جان عبيد على مسامع الجميع بكرهه للظلم ومناصرته للضعيف، لذا،فقد أدّى رسالتَه على أتمِّ وجه، وجاهدَ من أجل الحريّة والكرامة في لبنان، وصادقَ الكبار وشهدَ على أحداثٍ محوريّة، وسعى لاعلاء الحق ولو كان على حساب نفسه، فلم تغرّه المناصب، ولا طمع بمكاسب، لأنّ الوطن كان رسالته في السعي والكسب والبحث، وكثيراً ما صرّح بأنّ الوطن هو ملاذُ الأرواح الضالّة.
وكان متشبّثاً بمواقفه الوطنيّة، فتمّ استبعاده عن رئاسة الجمهورية مرّتين وهذا بسبب اصراره على ما يؤمنُ به، ويعيشُ لأجله. ولهذا ظلّ المرشّح الدائم لرئاسة الجمهوريّة.
كان جان عبيد اقرب الى الاستثناء، حكيماً في جلَبَةِ التهوّر، وقائداً للحوار في عهد الفوضى والضجيج وهو القائل:" اللغة لا تُوقف الرصاص، لكنها تمنع تحوّل الرصاص إلى جدار دائم بين الناس".
وقد كان لعبيد اهتماماتٌ فكريّة وثقافيّة متعدّدة، فدعا الى الاصلاح التربوي والفكري من خلال استشهاده بأقوال الفلاسفة العظماء أمثال ارسطو وافلاطون وقد قرأ الكتبَ الدينيّة بانفتاحٍ وانعتاقٍ من الطائفيّة والتبعيّة، ولم يتخفّ في بزّاتٍ سياسيّة، بل تدثّرَ بثوب العدالة وسارَ واثقَ الخطى في دربٓ محفوفٍ بالمخاطر.
وقد عزّز من فكرة الانصهار الفكري، والانفتاح عل الغير، وجذب الحضارات وتقريبها من بعضها وتحضير مناخاتٍ غير مسيّسة تسييساً طائفيّاً للأجيال القادمة.
وكان أوّلَ من طرحَ قانون النسبيّة، والمطالبة بالاصلاحات الجذريّة، فقال:""نريد إصلاحًا انتخابيًّا يُشبه الوطن، لا قانونًا يُشبه زواريب المكاتب الانتخابية".
كانت وفاة عبيد من الكورونا بمثابة نكبة للوطن الذي ضمّه في حناياه واستقى منه موارده الادبيّة والفكريّة، فقد سرّحته الحياة جسدياً بعد ان كان دائم الترحال في ربوعه، ولكنّها أبقت على فكره حيًا؟ لا تنضب موارده، وربّما شعر بأنّه لن يغيّرَ العالم، و يبدّل عاداته وتقاليده ولكنّه على الأقل، سيزرع مصاطبَ من بذور الورد في ياقته.
هذا غيضٌ من فيض عن رحلة جان عبيد، وبعد رحيله وهو سيّد الحوار، يبقى التاريخُ شاهداً على ابداعه الانساني والسياسي في توحيد اللبنانيّين واعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، رحمه الله في ملكوته الواسع، وألهمَ عائلته التي أنشأها مع زوجته لبنه تنشئةً فاضلة، فها ابنته هالا مديرة مكتب السيدة الاولى في القصر الجمهوري، وابنه بدوي رئيساً لبلدية علما الذي احب، وسلّمَ زمام القيادة الى ابنه سليمان الذي أخذ الفطنةَ والحكمة عن والده.
رحلَ جان عبيد كما عاش مرفوعَ الرأس، وأودَع في ذاكرة لبنان تاريخاً مشرّفاً لعطاءاته، قابضاً بيدٍ حديديّة على معنى الوفاء والوطنيّة والانسانيّة البحتة، وعاشقاً للديمقراطيّة التي قضى عمره تائقاً اليها، مختصراً مجازات الحياة بحبّ الناس وتقديرهم لخصاله الطيّبة ومعدنه النفيس.
(*) رئيس مجلس قضاء زحلة الثقافي