محمد البابا

"بيت العنكبوت" عنوان دخول الذكاء الاصطناعي على العمليات العسكرية

كيف كسرت أوكرانيا أسطورة الثالوث النووي الروسي؟

5 دقائق للقراءة

 

منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، تركز النقاش العسكري على ميزان القوى غير المتكافئ بين الطرفين، من حيث حجم الترسانة وعدد الجنود والتكنولوجيا المتاحة. غير أن عملية "بيت العنكبوت"، التي نفذها جهاز المخابرات الأوكراني، قلبت هذا المفهوم رأساً على عقب. إذ نجحت أوكرانيا باستخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرخيصة المتاحة – كالمسيّرات التجارية المعدّلة – في توجيه ضربة نوعية لمنشآت استراتيجية داخل عمق الأراضي الروسية، وتحديداً في المطارات التي تُعد خزّان القاذفات النووية بعيدة المدى.

بهذه الضربة، أعادت أوكرانيا تعريف موازين الردع. لم تعد الحروب تُحسم فقط بالصواريخ العابرة والدبابات الثقيلة، بل باتت تُحسم بالمعلومة، بالخداع، وبالذكاء الاصطناعي. ومع كل ذلك، بدا أن روسيا، رغم ترسانتها الهائلة، فشلت في منع اختراق كهذا، جاء من داخل حدودها نفسها.

بفضل قوة جهاز المخابرات الأوكراني وقدرته على التخطيط والتنفيذ، تمكنت أوكرانيا من تنفيذ عملية دقيقة على بعد يزيد عن 4000 كيلومتر من حدودها، حيث شاهد المنفذون العملية تُنفّذ مباشرة عبر البث الحي للمسيّرات، ليُعرض العالم النتائج خلال ساعة فقط، مستيقظاً على صدمة صفع الدب الروسي.

بدأت العملية من مركز تجميع سري قرب منشأة تابعة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، حيث احتُفظ بالمسيرات لأكثر من 18 شهراً، مستترة خلف حاويات سوداء تحمل أجزاء منازل جاهزة. تم إدخال 117 مسيّرة عبر شبكات تهريب روسية تمر من حدود روسيا مع كازاخستان، في عملية معقدة لكنها ناجحة استطاعت تضليل أجهزة الأمن الروسية، التي كانت تستخدم هذه الشبكات أصلاً للالتفاف على العقوبات الدولية.

كان اختيار مركز التجميع دقيقاً للغاية، إذ تم وضعه بجانب منشأة تابعة للأمن الفيدرالي الروسي، وكأن أوكرانيا أرادت إهانة هذا الجهاز عبر تنفيذ العملية أمام أعين عناصره الغارقين في سبات عميق، بينما كانت العملية تُبنى بصمت على مدى أكثر من عام ونصف.

الحاويات التي استخدمت كانت مزودة بأسقف تُفتح أوتوماتيكياً، وقد شاهد المارة والسكان المحليون انطلاق المسيرات من فوق أسقف هذه الحاويات بدون تدخل بشري مباشر، في مشهد أربك الجميع وأثار دهشتهم.

وهنا دخل "آرتيوم" – الشخصية الغامضة التي لعبت دوراً محورياً في تنفيذ العملية. استخدم آرتيوم شركة شحن روسية حقيقية لها سجل عمل رسمي، اشترى من خلالها عدداً من الشاحنات واستأجر عدداً آخر، ليؤسس أسطولاً متكاملاً جاهزاً لتحرك يبدو قانونياً بالكامل. استعان بسائقين روس مدنيين، لم يعلموا شيئاً عن طبيعة المهمة. أقنعهم آرتيوم بأنهم ينقلون طلبية ضخمة من "منازل جاهزة" إلى مناطق بعيدة داخل البلاد، موفراً لهم كافة الأوراق والمستندات القانونية، ومستغلاً الثقة بشركته لتجاوز أي تفتيش.

تحركت الشاحنات من نقطة التجميع، كل منها تحمل حاويتين سوداوين مموهتين بأجزاء منازل جاهزة، وداخل الأسقف، كانت المسيرات مختبئة بشكل احترافي. عبرت الشاحنات مئات الكيلومترات متجهة إلى خمسة مطارات استراتيجية، تضم طائرات بعيدة المدى: مطار بيلوي في مقاطعة إيركوتسك، مطار أولينيا في مقاطعة مورمانسك، مطار دياغيليفو في مقاطعة ريازان، مطار إيفانوفو في مقاطعة إيفانوفو، ومطار آمور في الشرق الأقصى الروسي.

عند وصول الشاحنات إلى النقاط المحددة، ومع تمام الساعة 4:30 صباحاً بتوقيت موسكو، انطلقت المسيرات من الحاويات بشكل متزامن، وفي لحظة واحدة، طارت المسيّرات نحو أهدافها بدقة، وسط ارتباك كامل للدفاعات الروسية. في ذلك الوقت، كان الفريق المنفذ للعملية قد أصبح خارج الأراضي الروسية.

في غرفة العمليات في كييف، كان مدير جهاز المخابرات الأوكرانية فاسيلي ماليوك يتابع العملية بثوانيها، من خلال صور حية أرسلتها المسيّرات. وبعد أقل من ساعة، نشر جهاز الأمن الأوكراني اللقطات للعالم، ليفاجأ الجميع بانهيار أسطورة الطيران الاستراتيجي الروسي.

الطائرات التي تم استهدافها شملت طرازات Tu-95MS وTu-160، وهي قاذفات استراتيجية تُشكّل أحد أعمدة ما يُعرف بـ"ثالوث الردع النووي الروسي"، بالإضافة إلى طائرات A-50 المتخصصة في الإنذار المبكر والسيطرة الجوية، والتي تُعدّ "العين الإلكترونية" التي تُنسق حركة الطيران وتُرشد الصواريخ والطائرات نحو أهدافها. بعض هذه الطائرات كان مزوداً بصواريخ كروز بعيدة المدى وجاهزة للإطلاق ضمن مهام مخططة ضد الأراضي الأوكرانية، ما ضاعف من أهمية الضربة، وأظهر مدى دقة أوكرانيا في ضرب العمق الاستراتيجي الروسي. تم تدمير وإصابة 41 طائرة في المجموع، ما يمثل أكثر من 35% من القوة الضاربة الروسية في هذا المجال.

ما ميّز العملية أيضاً هو استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد المسارات، وتفادي الرادارات، واختيار زوايا الهجوم. تم تدريب خوارزمية خاصة داخل أوكرانيا لمحاكاة نماذج ثلاثية الأبعاد للمطارات المستهدفة، مع إدخال بيانات تفصيلية لكل هدف. خلال دقائق معدودة من انطلاق الطائرات، كانت الخوارزميات تُوجّه كل مسيّرة حسب موقعها ومهمتها المحددة، ما جعل الضربة دقيقة إلى حدّ صادم.

بعد ساعات قليلة فقط، استيقظ العالم على زلزال استراتيجي بسقوط أحد أعمدة الترسانة النووية الروسية الجوية، ضربة كسرت هيبة الردع الروسي، ورسمت نهجاً جديداً للحروب غير المتكافئة.

وبينما حاولت موسكو استيعاب الصدمة، أظهرت المواقف الغربية، لا سيما في الولايات المتحدة، تحوّلاً لافتاً. أبرز هذا التحول ظهر على لسان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي بدأ يتحدث عن زيلينسكي باحترام، وأقر بقدرات أوكرانيا على مفاجأة روسيا وكسر هيبتها. كانت هذه العملية، بوضوح، نقطة تحول في وعي العالم بحجم ما تستطيع أن تفعله دولة صغيرة بمعدات بسيطة، إن امتلكت العقل والشجاعة والرؤية.