يقف لبنان اليوم على شفير مرحلة مفصلية حرجة، تتخطى بتداعياتها مجرد الاستهداف الإسرائيلي الأخير الذي ضرب مواقع في الضاحية؛ ضربة ليست كسابقاتها بالحجم منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.
هذه الضربة الكبيرة تحمل في طياتها دلالات أوسع من مجرد رسالة، لتعبر عن ضيق دولي متصاعد تجاه حالة الشلل السياسي والعجز اللبناني المزمن في التعامل مع ملف السلاح الخارج عن الشرعية، العامل الرئيسي في تقويض فرص التعافي والنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار.
لقد كانت الغارة الإسرائيلية الأخيرة، وما تلاها من تحركات دبلوماسية واضحة من قِبل واشنطن، مؤشراً على تغيّر قواعد اللعبة الإقليمية والدولية تجاه لبنان. إذ إن الإدارة الأميركية، عبر فريقها المختص بالملف اللبناني، باتت اليوم أكثر حزماً وتشدداً في الضغط على السلطات اللبنانية لإنهاء ما تعتبره “المنطقة الرمادية” التي استفاد منها حزب الله طويلاً لتوسيع ترسانته وتعزيز نفوذه العسكري والسياسي.
بالتوازي، تصاعد الاستياء الداخلي للرأي العام اللبناني ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سياسية تعود إلى مراحل سابقة، خصوصاً منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي نصّ بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. غير أن الواقع شهد تمدّداً استراتيجياً للحزب، خصوصاً بعد حرب تموز 2006، وتكريساً تدريجياً لواقع أمني موازٍ بات من الصعب تجاوزه. وفي هذا السياق، يُعيد الموقف الدولي القديم-الجديد إلى الواجهة جوهر القرارين الأمميين 1559 و1701، باعتبارهما المرجعية الدولية التي ما زال لبنان ملزماً بالامتثال لها لإعادة بسط سيادة الدولة كاملة على أراضيها، إضافة إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي حصل بين حزب الله وحكومته السابقة وبين إسرائيل، والالتزام بشروطه.
في خضمّ هذا الواقع، تواجه السلطات اللبنانية خياراً بالغ الدقة مع اقتراب موعد تجديد ولاية قوات اليونيفيل في آب المقبل، وسط تلويح أمريكي وإسرائيلي واضح بإعادة تقييم الدعم الدولي للقوة الأممية، إذا استمرت عرقلة مهامها من جانب الحزب، الذي تعامل تاريخياً معها باعتبارها أداة ضغط دولية، لا شريكاً في ضمان الاستقرار. هذه المعادلة الجديدة تعني عملياً أن على القيادة السياسية اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة، اتخاذ خطوات جذرية لم تعد تحتمل التأجيل أو المواربة، وذلك عبر طرح قضية نزع سلاح الحزب بجدية على الطاولة المحلية والدولية، بصراحة وشجاعة وحزم وحسم، والتفاوض على آليات تنفيذية واضحة بالتعاون مع الجهات الدولية الراعية.
إن استمرار سياسة المهادنة تحت شعارات واهية كـ“الوحدة الوطنية” أو التلويح بحرب أهلية بات مكلفاً. فالمساعدات الدولية الضرورية لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني المتهالك، سواء من المؤسسات المالية الدولية أو من دول الخليج، تبقى معلقة بشكل صريح على شرطين أساسيين: إجراء إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية، وإثبات جدية لبنان في إنهاء حالة ازدواجية السلاح.
وفي حال الفشل في الاستجابة لهذه المعايير، فإن السيناريو المرجّح هو تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد التوترات الأمنية، وصولاً إلى توسّع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الحزب ومناطق بيئته، بشكل لا تتحمله هذه البيئة، وتكون كلفته عالية جداً على لبنان.
لذلك، من الضروري اليوم أن تتبنى الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام، مقاربة استراتيجية واضحة وصريحة، تبتعد عن السياسات الرمادية التقليدية، وتستند إلى قراءة واقعية ومتقدمة للتغيرات الإقليمية والدولية. فالوقت لم يعد لصالح لبنان، والمواقف التي يتم تأجيلها اليوم ستتحول إلى أعباء سياسية وأمنية واقتصادية مضاعفة في المستقبل القريب. وعلى هذه القيادة اللبنانية الحالية إدراك أن تكلفة القرار الجريء اليوم أقل بكثير من تكلفة التردد والتأجيل غداً.