بشارة جرجس

العَد التنازلي للنظام الإيراني: حرب مفتوحة أم تسوية مُرّة؟

4 دقائق للقراءة

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ الضربات على إيران ستستمر "طالما اقتضى الأمر"، فهل المقصود أسابيع من القصف المكثَّف لتفكيك البرنامج النووي الإيراني وتحطيم ما تبقّى من قدرات إيران العسكرية، أم أنّ الهدف الأبعد هو إسقاط النظام؟


في المقابل، ردّت طهران بإطلاق مسيّرات وصواريخ باليستية، مع الاحتفاظ بـ"خيارات انتقامية" أخرى، وإن كانت محدودة الأثر. ورغم أنّ سفك الدماء مُرشَّحٌ للتفاقم، إلّا أنّ ساعة البحث في سيناريوهات النهاية قد دقّت منذ الآن.


1. استسلامٌ مُغطّى بحفظ ماء الوجه

قد تلجأ إيران إلى تنفيذ ضربات استعراضية ضد إسرائيل، ثم تُعلن أمام جمهورها أنّها "ردّت الصاع صاعين" قبل أن ترضخ سريعاً للمساعي الأميركية والدولية. استسلامٌ مُغلَّف بشعارات «الممانعة». هكذا فعل ذراعها «حزب الله» في أيلول وتشرين الأوّل 2024، حين قَبِلَ وقفاً لإطلاق النار وفق شروط تل أبيب، من دون تنفيذ هجوم مُضادّ يُذكَر. اليوم، تبدو طهران في المأزق ذاته: هجماتها المسيّرة والصاروخية بلا جدوى، و«محور الردع» الذي قادته تقلَّص حتى أصبح ظلاً باهتاً.



2. العضّ على الجُرح

قد تُمعن طهران في إطلاق الصواريخ أو محاولة تنفيذ عمليات إرهابية، بانتظار تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل. تاريخياً، تحظى إسرائيل بدعم غربي قد يتحوّل سريعاً إلى دعوات أوروبية لوقف القتال، لكن نتنياهو يُصغي أساساً إلى واشنطن، وتحديداً إلى الرئيس دونالد ترامب، الذي غرّد على «تروث سوشيال» قائلاً:

"على إيران أن تُبرم اتفاقًا قبل ألاّ يبقى منها شيء… لا مزيد من الموت والدمار… فقط افعلوه، قبل فوات الأوان."

الإغراء واضح لنظامٍ يختنق اقتصادياً وأمنياً، لكن الرضوخ سيُصوَّر داخلياً كهزيمة مُذلّة.



3. استدراج الولايات المتحدة

هدّدت طهران باستهداف منشآت أميركية، ما قد يستدرج القوات الأميركية إلى المعركة. وعندها يتحوّل النزاع إلى مواجهة إسرائيلية–أميركية مباشرة مع نظام يترنّح.



4. نزاع مفتوح طويل الأمد

قد تخفت موجات القصف الكبرى لتبدأ حرب استنزافٍ طويلة: اغتيالات، صواريخ متقطّعة، ضربات سيبرانية، وتخريب داخلي متواصل، فيما تسعى إيران سرّاً إلى إحياء مشروعها النووي بعيداً عن الرقابة الدولية، إن استطاعت، في ظلّ الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لمنظوماتها الأمنية والنووية.


الغموض النووي وما بعده

فشلت كل محاولات ضبط طموح طهران النووي، وللمرّة الأولى منذ عقدين، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرّية هذا الأسبوع أنّ إيران لم تعد ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار، ما يشير إلى تقليص الفاصل الزمني لإنتاج قنبلة. لذلك، استهدفت إسرائيل منشآت نطنز وأصفهان وفوردو المُحصَّنة داخل الجبال، التي قد لا يكتمل تدميرها من دون قنابل أميركية خارقة للتحصينات.

وجّه نتنياهو خطاباً مباشراً إلى الإيرانيين قال فيه: "النظام الإسلامي الذي يقمعكم منذ خمسين عامًا ويهدّد بتدمير دولتنا لن يصمد طويلًا. نحن نُزيل الخطر النووي والصاروخي عنكم، ونمهّد الطريق لحريتكم… لم يكن هذا النظام يومًا أضعف ممّا هو عليه الآن. هذه فرصتكم للانتفاض ورفع أصواتكم."




لم تكن الضربة سوى فاتحة لعملية ممتدّة؛ ستواصل خلالها إسرائيل استهداف البنية النووية ما لم تتدخّل واشنطن بشكل مباشر. وقال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي لقناة «كان 13»: "لا يمكن تدمير برنامجٍ نووي بالكامل عبر الضربات العسكرية، لكن يمكن خلق بيئةٍ مناسبة لاتفاقٍ مع الولايات المتحدة."


أمّا سيمّا شاين، المسؤولة السابقة في «الموساد»، فرأت أنّ تصفية كبار القادة الإيرانيين «أربكت المؤسسة الأمنية للنظام» وأضعفت قدرته على الصمود.




تكشف الضربات الإسرائيلية أنّ تل أبيب تعتبر امتلاك إيران للقنبلة تهديداً وجودياً، وتبدو مستعدّة لتجاوز العتبات، حتّى في ظلّ تردّد واشنطن، ولو في العلن فقط، فيما يقف النظام الإيراني، المُثقَل بالعقوبات والاحتقان الشعبي، أمام خيارين قاتمين: إمّا التراجع تحت وطأة القصف والضغوط، أو المغامرة بتصعيد قد يستدرج الولايات المتحدة ويقود نظام الجمهورية الإسلامية إلى نهايته، إمّا من الجو أو من الداخل.