بشارة جرجس

انقلب الحظّ على النظام الإيراني

4 دقائق للقراءة

اكتفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقول: "قد أتدخّل، وقد لا أفعل" وعلى الرغم من أن عبارته تُبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات، فإن الوقائع الميدانية ترسم مسارًا مغايرًا: فِرَقُ السفارة الأميركية في تل أبيب تُشرف على إجلاء الرعايا، والجيش الأميركي يوسّع نطاق تنسيقه اللوجستي مع سلاح الجوّ الإسرائيلي.



التحرّكات الجوية الأميركية: مظلّة دفاعية وتحضير هجومي

عقب الضربة الإسرائيلية ضدّ إيران، كَثّفت الولايات المتحدة انتشارها الجوي في الشرق الأوسط، فنشرت مقاتلات F-16 وF-22 وF-35 في قواعد استراتيجية في السعودية وقطر، ضمن وضعيّة دفاعية صارمة هدفها اعتراض التهديدات الصاروخية والطائرات المسيَّرة.



في موازاة ذلك، أعادت واشنطن تموضع طائرات التزوّد بالوقود KC-135 لدعم عمليات طويلة الأمد دفاعية أو هجومية. وتمركزت قاذفات B-52 في قاعدة دييغو غارسيا، فيما بقيت قاذفات B-2 المزوَّدة بقنابل خارقة للتحصينات (MOP) في حال تأهّب خارج المنطقة، رهن القرار السياسي.



كذلك تكثّف الطائرات الأميركية دورياتها فوق الخليج والشرق المتوسّط، لحماية الأجواء الحليفة وتأمين الممرات من أيّ اختراقٍ معادٍ.



الانتشار البرّي: استنفار في القواعد الإقليمية

رفعت القيادة المركزية الأميركية حالة التأهب إلى أقصاها في قواعدها بقطر والكويت، والبحرين. وشملت التدابير إجراءات وقائية لحماية العسكريين وعائلاتهم، وسط مؤشّرات متزايدة لاحتمال توسّع الاشتباك.

ويُقدَّر عديد القوات الأميركية البرّية في المنطقة بأكثر من ٤٠ ألف جندي، إضافة إلى عناصر البحرية المنتشرين على متن السفن وفي مناطق التماس البحري.



الانتشار البحري:

يتعزّز الوجود الأميركي البحري بثلاث مجموعات قتالية لحاملات طائرات: USS Carl Vinson في بحر العرب، USS Nimitz المتّجهة من المحيط الهادئ نحو الشرق الأوسط، وUSS Abraham Lincoln التي تؤدّي دوراً محوريّاً ضمن عملية «حارس الازدهار» متعدّدة الجنسيات.



كما تنتشر المدمّرات USS The Sullivans وUSS Arleigh Burke لاعتراض الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل، إلى جانب قطع أخرى مثل USS Thomas Hudner وUSS Mason وUSS Cole في مياه المتوسّط، والبحر الأحمر، والخليج، ضمن تنسيقٍ عملياتي يشمل الغواصات والطوافات والسفن البرمائية.



وتخضع عملية «حارس الازدهار» لإمرة القيادة المشتركة لقوّة المهام 153، بقيادة حاملة الطائرات USS Dwight D. Eisenhower، ما يوفّر مظلّة بحرية رادعة لحماية الممرّات الحيويّة.



رفع ترامب سقف التفاوض إلى حدّه الأقصى حين اشترط على طهران "استسلاماً غير مشروط" بعد أن أقرّ بأنّه بارك الضربة الإسرائيلية فور انقضاء مهلة الستّين يوماً.



وجاء الردّ الإيراني من قمّة الهرم، ففي خطاب نادر، حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي تدخّل أميركي مباشر سيلحق بالولايات المتحدة "أضراراً لا يمكن إصلاحها" وردّ ترامب ساخراً: "حظًّا سعيدًا" في المقابل، سارعت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إلى إصدار بيان حاد ينفي أي رغبة في التفاوض تحت التهديد.



منذ انطلاق «عملية الأسد الصاعد» فجر الجمعة 13 حزيران، قُتل أكثر من 220 شخصاً داخل إيران، بينهم ضبّاط كبار وخبراء نوويّون، وفق وكالاتها الرسمية. في المقابل، أسفرت الضربات الإيرانية عن 24 قتيلًا ومئات الجرحى في إسرائيل. ومع ذلك، لا تزال منشأة فوردو، اللغز المُحصَّن داخل الجبل، بعيدة عن التدمير الكامل، ما يُعزّز الرهان الإسرائيلي-الأميركي على قاذفات B-2 والقنابل الخارقة، في ظلّ شكوك متزايدة بقدرة إسرائيل منفردة على إنهاء البرنامج النووي الإيراني.



لقد أطاحت الضربات المتبادلة آخر أوهام «احتواء التصعيد». فالصواريخ التي عبرت أجواء الخليج حسمت الجدل حول ما إذا كانت العواصم العربية ستتأثّر؛ المسألة الآن هي متى وكيف. ويُرجَّح أحد السيناريوهات أنّ مشاركة أميركية في قصف فوردو قد تمنح طهران ذريعة لاستهداف منشآت النفط الخليجية أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما قد يُدخل المنطقة في أزمة طاقة عالمية وخسائر اقتصادية جسيمة.



وبين برودة البيت الأبيض إزاء المسار التفاوضي، وحماسة إسرائيل لحسمٍ عسكري سريع، تتضاءل فرص الوساطة. ويرى بعض المراقبين أنّ تركيا، إلى جانب عواصم عربية تمتلك قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، قد تلتقط زمام المبادرة. فطرح مظلّة إقليمية للتهدئة، قد يشكّل خطَّ الدفاع الأخير قبل الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

فهل سيناريو التهدئة قابل للتنفيذ، أم أنّه مجرّد سراب وسط حرارة حمم التصعيد الإقليمي المحتوم؟