سقط المشروع الإيراني، لا لأنه واجه قوة عظمى، بل لأنه ارتكز على شعارات وهمية وانتهج أسلوب الهروب من المحاسبة. الضربة الأميركية لم تكن انتصاراً لأميركا بقدر ما كانت انكشافاً لزيف نظام احترف المتاجرة بالقضايا الكبرى وتغليف الفشل بشعارات التحرير والمظلومية.
في لبنان، تتكرر المأساة ذاتها. باتت الدعوة لتطبيق القانون تُقابل بالتخوين، والمطالبة بالسيادة تُقرأ كعداء لطائفة، والدفاع عن الدولة يُفسَّر كخضوع لمشروع خارجي. هذا التشويه لم يأتِ صدفة، بل خُطّط له ليبقى المواطن أسير الشعارات، لا شريكاً في بناء وطن.
لكن الحقيقة واضحة. احترام القانون ليس انحيازاً، بل جوهر المواطنة. والولاء ليس للزعيم، بل للدستور. والمقاومة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأسلحة والرصاصات، بل بقدرتنا على بناء وطن يحترم حياة الناس، ويُحاسب الفاسدين، ويقدّس العدالة.
لقد تحوّل النظام في لبنان إلى منظومة تسويات. مخالفات لا تُعاقب، جرائم تُطمس، وقرارات تُؤجل باسم الاستقرار، بينما المواطن ينهار تحت عبء الانتظار، والبلد يتآكل من الداخل. ما نحتاجه ليس حكومة جديدة، بل عقل جديد. ليس رجال سلطة، بل رجال دولة.
إن من يخاف عودة الدولة هو من بنى مصالحه على غيابها. من جعل من الطائفية مهنة، ومن الغوغائية وسيلة للسلطة. هؤلاء لا يملكون مشروع وطن، بل مشروع نفوذ.
فمن الطبيعي أن يرفض المنتفعون من هذه الفوضى. وأي محاولة لإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي مرفوض من قبل تلك الحفنة المتجزّرة، لأن في عودة الدولة المدنية نهاية لسطوتهم، ومحاسبة على جرائمهم، ونهاية للعبور فوق القوانين والدوس عالدستور.
فالتحريض الطائفي اليومي لا ينتج إلا الحقد، ولا يخدم إلا من يعيش على الانقسام. لذلك يفضلون التحريض على البناء لأنهم تجار خوف.
هيبة الدولة ليست تنظيراً ولا أمنيات. الدولة صورة تُجسّدها التفاصيل، مثل شرطي يُطبّق النظام، قاضٍ يحكم دون خوف، فاسد يُحاسَب علناً. هذه ليست مطالب خيالية، بل الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
الحكومة التي لا تجرؤ على تفكيك المنظومة التي فجّرت المرفأ، سرقت الودائع، ودمّرت الاقتصاد، تساهم في استمرار الجريمة. إنها تُعلن بوضوح أن الإفلات من العقاب هو القاعدة، وأن الأوطان تُباع وتُشترى. وفي النهاية يتم التسوية وراء الكواليس، مراعةً لهذا وذاك وحفاظًا على المشاعر والكرامة الزائفة. بينما المحاسبة والعقاب ورؤيتهما بأم العين هو الذي يعلّم الناس ويربّي المجرمون والفاسدون. علينا ان نرى، لا ان نسمع فقط.
دعونا نكسر هذا الوهم بأن العدالة والسيادة هي شعارات لأحزاب. العدالة هي أساس الدولة. والسيادة هي عنوان الكرامة الوطنية. وهذه ليست ملك فريق، بل حق شعب.
العالم يتغيّر من حولنا. الدول تتقدم أو تتدهور. لا مكان للرمادي في هذا الزمن. أن نملك وطناً اسمه لبنان هو امتياز بحد ذاته لا يُقدّر بثمن، فعلينا أن لا نفرط به لأجل زعيم أو طائفة أو وهم.
لبنان لا يُبنى بالتبعية، بل بالمحاسبة. لا يُصان بالخوف، بل بالقانون. ولا يستمر بالتوازنات الهشّة، بل بالعدالة الصارمة.
فإما أن نحكم بالقانون، أو أن نبقى رهائن لحفنة من الطغاة، يُقايضون أمننا بسلطتهم، وكرامتنا ببقائهم.