كشفت صحيفة 'وول ستريت جورنال' عن الكواليس غير التقليدية لوقف إطلاق النار المفاجئ بين إيران وإسرائيل، بعد اثني عشر يوماً من المواجهات، في سيناريو يعيد خلط الأوراق الإقليمية ويطرح أسئلة حول ما إذا كانت هذه الهدنة مؤقتة أم مستدامة، ستمهّد لاتفاق نووي شامل، أم أنها مجرد هدنة فُرضت تحت الضغط.
العملية بدأت بضربة أميركية خاطفة وعنيفة، نفذتها قاذفات الشبح B-2 على منشآت نووية إيرانية في فوردو، نطنز وأصفهان، مستخدمة قنابل خارقة للتحصينات زنة كل منها 14 طن. لكن ما تلا الضربة كان أكثر مفاجأةً: مفاوضات سرية، تهديدات مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وضربة إيرانية على قاعدة 'العُدَيد' في قطر. ثم، فجأة، وقف لإطلاق النار بحلول صباح الثلاثاء.
حسب وول ستريت جورنال، ترامب قاد هذه العملية بيدٍ واحدة، مستبعداً معظم مستشاريه التقليديين، ومكتفياً بدائرة ضيقة من المقرّبين. فور تنفيذ الغارات، اتصل بنتنياهو وقال له بوضوح: "المهمة الأميركية انتهت، وعلى إسرائيل أن تتوقف".
نائب الرئيس ج.د. فانس وصف ما جرى بأنه تجسيد لعقيدة أميركية جديدة: حسم الأهداف الوطنية بوضوح، تفاوض صارم، وقوة ساحقة عند الضرورة. أما ترامب، فكتب على منصّاته: "المواقع التي ضربناها في إيران تم تدميرها بالكامل، والجميع يعرف ذلك".
ومع تفاقم الكلفة الميدانية والبشرية، بدأ الطرفان البحث عن "مخرج مشرّف"، تل أبيب، بحسب مصادر الصحيفة، اعتبرت أن أهدافها تحققت، ولم تعد تجد فائدة في استمرار التصعيد. أما طهران، ففتحت خطوطاً خلفية مع واشنطن عبر وسطاء عرب.
اللافت أن الردّ الإيراني على القاعدة الأميركية كان منسّقاً بقدر ما كان محدوداً، إذ أبلغت طهران الدوحة مسبقاً التي بدورها أبلغت واشنطن، فتم إخلاء الموقع دون سقوط ضحايا. أُطلق 19 صاروخاً، لم يُصب منها سوى واحد، وسقط خارج القاعدة.
لاحقاً، جاء دور الوساطة القطرية. ترامب تحدث مع الأمير تميم، طالباً منه الضغط على طهران لقبول وقف إطلاق النار، وهو ما حصل سريعاً. وبالرغم من تهديد ترامب قبل ساعات بالتلويح بـ"تغيير النظام الإيراني" عاد ليغرّد: "مبروك للجميع!"
مع ذلك، لم تُحترم الهدنة مباشرة، إذ شنّت إسرائيل غارات مدمرّة على طهران، أدّت إلى مقتل مئات من العناصر الأمنية. وفي المقابل، قصفت إيران مدينة بئر السبع، متسببة بمقتل أربعة مدنيين، وأطلقت بعدها ثلاثة صواريخ إضافية قبل سريان الهدنة بلحظات.
ترامب، الغاضب من الخروقات، خرج من البيت الأبيض متهجماً على الجانبين: "هذان الطرفان يتقاتلان منذ زمن طويل إلى درجة أنهما لا يعلمان ما يفعلان" ثم وجه رسالة شديدة اللهجة لإسرائيل، قائلاً: "لا تُسقطوا القنابل. أعيدوا الطيارين فوراً!" وبعد اتصال مع نتنياهو، أعلن أن الطائرات عادت، وكتب: "لن يتأذى أحد. وقف إطلاق النار قائم!"
مجلس الأمن القومي الإيراني، بدوره، أعلن أن بلاده "ردّت بقوة وأفشلت أهداف العدو الاستراتيجية" في محاولة واضحة لترميم الهيبة بعد الضربات الأميركية.
هكذا عادت الجبهات إلى هدوء حذر، وظهر ترامب بصورة الرئيس الذي يُمسك بخيوط الحرب والسلام.
ما نشرته 'وول ستريت جورنال' لا يكشف فقط عن دينامية التهدئة الأخيرة، بل يعكس بوضوح تحوّلاً في ادارة الأزمات الدولية، حيث تُدار الحروب وتُعقد الهدنات بقرارات أسرع من المألوف، وفي دوائر أضيَق من السابق، خارج الأُطر التقليدية للدبلوماسية، وبأسلوب "ترامبي" بامتياز.