ريتا عازار

فن المنزل المسكون بالنساء المنسيات

ألكسندرا ميتكالف بين صرخات مكتومة وجدران مطرّزة

7 دقائق للقراءة

ألكسندرا ميتكالف فنانة بريطانية معاصرة، شابة صغيرة تشتغل على تقاطع الفن والنفس والذاكرة النسائية، وتُعرف بأعمالها التركيبية التي تمزج بين الأرشيف، التطريز والأدوات الطبية. تستلهم موضوعاتها من تاريخ النساء في المصحّات العقلية، وتسعى لإعادة الاعتبار إلى الأصوات المنسيّة والمهمّشة.

في أعمال ألكسندرا ميتكالف ولع واضح بكل ما يتصدّع ويتجاوز حدود الشكل المتماسك. خلف جماليات شبه مثالية، تكمن توتّرات خفيّة، وجروح مموّهة. أعمالها تنبش في التجربة الأنثوية للانعزال، للصمت، وللانهيار العقلي، في مجتمعات لطالما وصفت ذلك كلّه بكلمة واحدة: الجنون.


لكن لماذا تختار فنانة شابة، تنتمي إلى ما بعد جيل "MeToo#"، تكريس مسيرتها الفنية لموضوع محفوف بالمخاطر كـ "جنون النساء"؟ يبدو أنّ الجواب يرتبط برغبة عميقة في مقاومة الراحة، وبوفاء حقيقي لأصوات تم إسكاتها.


هوس بدأ من الصمت

عندما يُطرح عليها سؤال المحفّزات، نادرًا ما تتحدث ميتكالف عن صدمات شخصية، لكنها تقول الكثير من خلال فنّها من دون أن تصرّح. تذكر طفولتها في منزل أنيق ومنظّم ومزهر، حيث "كل شيء كان جميلاً (...) لكنني كنت أسمع همسات".


تكوّنت نظرتها الفنية وسط هذا التناقض بين الجمال السطحي وما يخفيه من اختلال. الجنون، في هذا السياق، لا يظهر كمشهد درامي، بل كوجود خفيّ، كصوت داخل الستائر، وتنهيدة في درج قديم، وشقّ في ورق الجدران.


مرجعيات نسوية وأدبية

لفهم اختيارها الفني، لا بدّ من التوقّف عند مراجعها، تكرّر ألكسندرا ذكر الكاتبة شارلوت بيركنز غيلمان وقصتها الشهيرة "ورق الجدران الأصفر" (1892)، التي تحكي عن امرأة تنهار نفسيًّا بعد حبسها في غرفة من قِبل زوجها الطبيب. كما تشير إلى فيرجينيا وولف، وسيلفيا بلاث، وليونورا كارينغتون، وشيرلي جاكسون، وهنّ كاتبات مزجن بين الإبداع والاقتراب من حافة الجنون.


وتتأثر أيضًا بمفكّرات نسويّات كإلين شوولتر، صاحبة كتاب "The Female Malady"، الذي يكشف كيف تعاملت الطبابة النفسيّة الغربيّة مع الجنون، كظاهرة "نسائية": المرأة عندهم عاطفية أكثر من اللازم، تتكلّم كثيرًا، تشعر أكثر مما ينبغي، هي "أكثر من اللازم" في كلّ شيء.


وتكتب ميتكالف في أحد دفاترها الفنية: "ما سُمّي بالهستيريا، كان أحيانًا مجرّد ردّ فعل طبيعي على العالم".


الأرشيف بداية المسار

محطّة محوريّة في مسيرتها، كانت اكتشافها لأرشيف مستشفى للأمراض العقلية في لندن. أمضت شهورًا تتصفّح ملفّات لنساء احتجزنَ بين عامَي 1850 و1950. تقرأ تقارير طبية جافة، لكنها تجد أيضاً رسومات وخطابات وأعمال تطريز، موقّعة غالبًا بأسماء نساء منسيّات. لا تعيد استخدام هذه المواد حرفيًّا، بل تبني منها عوالم متخيَّلة، تصنع غرف عزل رمزية، وأغراضًا شخصية تُنسب إلى نساء لا نعرف عنهنّ سوى الأثر الباهت.


الخيط والإبرة كأداة مقاومة

واحدة من أبرز خصائص عملها هي استخدام "الفنون الصغيرة" أو ما يُعرف بـ "الفنون النسائية": كالتطريز، الخياطة، النسيج، النمذجة، الكولاج والخرز. وهي ممارسات ارتبطت تقليديًّا بالعالم المنزلي، لكنها تتحوّل في يديها إلى طقس تذكُّري ومقاومة ناعمة.


في عملها "Stitch Panic" عام 2022، تعرض مجموعة وسائد مطرّزة بعبارات متقطعة: "كنت هادئة، صرتُ قطعة أثاث"،"أكلت الصمت كما يُؤكل الكعك الجاف"، "أين ذَهبت يا صوتي؟". هنا، يصبح النسيج لغة سرّية. الخيوط تنسج ذكرى نساء لم يُنصَت إليهن، الزينة تصبح تصريحًا.


الجسد الأنثوي والمؤسسة الطبيّة

بُعد آخر مهم في تجربتها يتمثّل في إعادة توظيف الأدوات الطبية: مصابيح الجراحة، ساعات المستشفيات، قوارير الزجاج، كراسي العجزة المصغّرة، تظهر هذه العناصر في معرض "Gaaaaaaasp"، لعام 2025، في صالة "Perimeter"  بلندن، حيث تبني غرفة طفلة بطابع طبي مرعب.


المشهد مُربك: من جهة، الأدوات تُذكّر بتاريخ عنيف من التعامل الطبّي مع النساء. ومن جهة أخرى، يتمّ تحويلها إلى أشياء حنونة، أو شِعرية. فالمشرط يصير فراشة، وسرير الفحص يصبح سرير الحكايا. تُعاد كتابة الصدمة.


الجنون كفضاء سرديّ

لا تُقدّم ميتكالف الجنون كعرض أو كحالة بيانية، بل كلغة مكانية. لا يرى المشاهد "مشهدًا"، بل يدخل في عالم ذهني متصدّع: أبواب منخفضة، أضواء خافتة، أشياء كثيرة أكثر من اللازم، التأثير أشبه بحلم يقظ أو بهلوسة ناعمة.


عملها "Assembly" المعروض في "Art Basel 2025"  يجسّد هذه الفكرة تمامًا: هيكل متاهة من الخشب والزجاج الملوّن والساعات المتوقفة والمرايا المشوَّهة، التجربة بطيئة، متأملة، مقلقة، الزمن يتقوّس، والمكان يفقد معناه.


مساحة مرئيّة للامرئيّين

في جوهر أعمالها، تسعى ألكسندرا ميتكالف إلى إتاحة المساحة للمحذوفين من السرديّة. لا تتحدث عن الجنون، بل مع من عاشوه. فنّها مأهول بالأشباح، لا كرموز للرعب، بل ككيانات محبوبة. "أنا لا أمدح المرض"، تقول. "أنا أخلق أماكن لنستمع فيها إلى من لم يُستمع إليهنّ".


بهذا المعنى، فنّها سياسي بامتياز، لا يحاور الماضي فحسب، بل يطرح تساؤلات حول علاقتنا الراهنة بالصحة النفسية، وبأصوات النساء، وبالآلام الدفينة داخل المنازل.


دعوة إلى الإصغاء

في عالم غارق بالسرعة والصخب والصور المتراكمة، تدعونا ألكسندرا ميتكالف إلى التباطؤ، إلى الإصغاء، إلى الشك. تنسج سلالة شعرية لـ "النساء المجنونات"، لا كوحوش، بل كمُلهمات، كمُقاومات، كخالقـات. عالمها الفني ليس مصحًّا، بل ملاذ هشّ، مصنوع من الدانتيل، والدموع، والهمسات. وفي هذا الملاذ، لا تصرخ النساء المجنونات بل يُنشدن.


في عالمٍ تتلاعب فيه الجماليات المعاصرة، غالبًا بالتكنولوجيا المتقدّمة أو التجريد البارد، تأتي أعمال ألكسندرا ميتكالف على النقيض تمامًا من التيارات السائدة. فهي تقوم بالتطريز، والنحت، واللصق، وتبطين المساحات، وتكوين ديكورات وأشياء مشبعة بالذاكرة، بالقلق، وبجمال مكثّف يكاد يكون خانقًا. في سن الثالثة والثلاثين، تزداد هذه الفنانة البريطانية-الأميركية، التي تلقّت تعليمها بين لندن والولايات المتحدة الأميركيّة وتعيش حالياً في برلين، بروزًا وغموضًا. أعمالها غريزية ورقيقة في آنٍ معًا، مستمدة من الأرشيفات النفسية، والفنون المنزلية النسوية، وقصص الجنون، والأجساد المحبوسة، والذكريات المشوّهة. هي أعمال تقع على تخوم التركيب الفني (installation)، ومسرح الأشياء، والنحت السردي.


تكوين بين قارتَين

وُلدت ألكسندرا ميتكالف في العام 1992 في لندن، ونشأت في أسرة موسومة بالسرديّات العابرة للأطلسي، ما بين التقشف المفاهيمي النيويوركي والزخرفة الفيكتورية الإنكليزية. هذه الازدواجية تتجلّى بوضوح في أعمالها: انضباط في التنفيذ، مع تراكم شبه باروكي. درست أولاً في "كليّة تشيلسي للفنون" حيث واجهت التقاليد النحتية البريطانية، ثم انتقلت إلى "مدرسة رود آيلاند للتصميم" في الولايات المتحدة لتستكشف لغات أخرى: فن التركيب الغامر، السرد المكاني، وفن النسيج.


هذا التبادل الثقافي يغذّي عملًا فنّيًّا متجذّرًا في الفضاءات الحميمة كـغرف النوم، الممرّات، المستشفيات، العلّيات. ويستند إلى أيقونات غالبًا ما تُعتبر "صغرى": ورق جدران، زجاج مشطوف الأطراف، تطريز، خشب منحوت، أزرار.


جماليّة الاضطراب والتراكم

للوهلة الأولى، تُغري أعمال ميتكالف بلطافتها الظاهرة: زهور مطرّزة، ألوان باستيلية، أثاث قديم، زخارف ريترو. لكن سرعان ما يشعر المتلقّي بأنّ هناك خطبًا ما: كرسي أصغر من اللازم، دوامة تدور بسرعة زائدة، مصباح يضيء قفصًا، زرّ يتكرّر مئة مرة. الفضاء ينغلق، يُحبَس المشاهد داخل أجواء حالمة وسريرية في آنٍ واحد، كأنه دخل إلى بيت دُمى مسكون أو إلى صالة انتظار لمصحة نفسية تحوّلت إلى مسرح.


هذا التوتر بين الجاذبية والاضطراب جوهري في أعمال ميتكالف، تستعير أشكالًا من ديكورات المنازل في القرن العشرين، لا سيّما من ستينات القرن وسبعيناته، وتعيد توظيفها للتشكيك في الأدوار الجندرية، فالبيت في رؤيتها ليس ملاذًا آمنًا أبدًا، بل هو مكان القمع، الفقد والسيطرة.


ألكسندرا ميتكالف لا تقدّم أعمالًا فقط، بل عوالم كاملة. تدعو المتلقّي إلى إعادة التفكير في الذاكرة، وبهذا تُكمل ميتكالف إرث لويز بورجوا، وسيندي شيرمان، وأنيت مسّاجيه، بينما تشق طريقها الفريد، طريق فن حسّي، سردي، ومسكون، فيه يصرخ الصمت.




مصباح طبي صار زهرة



من كل منسيّة غرض