في "جناح نهاد السَّعيد للثّقافة"، يأخذنا معرض "انطباعات من الجنّة" في رحلةٍ بصريّة آسرة إلى قلب الذّاكرة الجماعيّة اللّبنانيّة، من خلال ملصقات السّفر والأفلام القديمة التي تسلّط الضّوء على كيفيّة بناء الصّورة الوطنيّة للبنان في الوعي الثّقافيّ الشّعبيّ.
هذا المشروع الثّقافيّ الذي افتُتح في 20 حزيران الجاري ويستمرّ متاحًا أمام الزوّار لغاية 30 تشرين الأوّل 2025، يعرض مجموعةً فنيّة نادرة من أرشيف فيليب جبر، تضمّ ملصقات وأعمالًا دعائيّة وسينمائيّة تعود إلى الفترة الممتدّة من عشرينات إلى سبعينات القرن الماضي، نكتشف من خلالها ملامح لبنان كما صُوّرت في عيون العالم.
صُور سياحيّة لبنانيّة
المعرض المقام بإشراف وتنسيق نور عسيران، وتولّت تحرير مضمونه المؤرّخة ماري طنب، يُبرز مجموعة من الملصقات المفعمة بالتّفاصيل الجماليّة.
تُسلّط تلك الأعمال الضّوء على مشاهد من غابات الأرز المهيبة، والآثار الرّومانيّة العريقة، والشّواطئ الذّهبيّة الهادئة، إلى جانب القرى السّاحرة المظلّلة بأشجار الصّنوبر. كلّها صُمّمت بأسلوبٍ جذّاب يهدف إلى التّرويج للبنان كوجهة سياحيّة آسرة. كما يتضمّن المعرض تصاميم أنيقة لحملاتٍ دعائيّة للسّفر الجوّي، تعكس رؤيةً طموحة لربط لبنان بالعالم عبر خطوط الطّيران الحديثة.
يستعرض المعرض أيضًا ملصقات سينمائيّة وموسيقيّة تعكس حياة ثقافيّة كانت نابضة في لبنان، أبرزها ملصقات من أفلام التّجسّس الأوروبيّة التي اختارت بلدنا كمكانٍ مثيرٍ ومهمّ، بالإضافة إلى أفلام محليّة تستحضر مشاهد من الطّفولة والحنين إلى الماضي.
وفي المعرض يمكن مشاهدة إعلانات "مهرجانات بعلبك"، التي حوّلت الموقع الأثريّ الرّومانيّ التاريخيّ إلى واحة مميّزة لاستقبال العروض الثّقافيّة والفنّيّة الحديثة. بهذا الشّكل، يجمع معرض "انطباعات من الجنّة" بين التّوثيق التّاريخي والمعاني الرمزية.
حلم خارج الواقع
لكن، على الرّغم من أنّ هذه الصّور تبدو احتفاليّة وجذّابة، إلّا أنّها في الواقع انتقائيّة للغاية ولا تعكس الواقع كما هو، بل تصوّر حلمًا مصمّمًا بشكل فنّيّ مميّز. فقد استُخدمت هذه الملصقات في لبنان وخارجه كوسائل ناعمة للتّرويج للبلاد، وساهمت في تشكيل صورة وطنيّة مرغوبة في أعين الآخرين قبل أن تصبح جزءًا من هويّة اللّبنانيين أنفسهم.
أعمال معاصرة
والمعرض يضمّ أيضًا أعمالًا لفنّانين لبنانيّين معاصرين، مثل جوانا حاجي توما، خليل جريج، لمياء جريج، سعيد بعلبكي، وكالين عون. يعيد هؤلاء الفنّانون النّظر في تراث الملصقات التّجارية، ويعيدون تشكيل مفاهيمها البصريّة التّقليديّة. من خلال أعمالهم، يتحوّل الجمال الإعلاني إلى سرديّات معقّدة تعبّر عن هويّة متصدّعة، وأمّة تتصارع بين الحقيقة والوهم في أدائها الذّاتيّ.
ملصقات تثير الانتباه
يشير فيليب جبر، وهو واحد من أشهر جامعي الأعمال الفنّيّة، إلى أنّ الملصقات صُمّمت في الأساس لجذب الانتباه في الأماكن العامّة ولتحقيق تأثير بصري سريع، لا لتُعرض كمقتنيات فنّيّة في المتاحف أو ضمن مجموعات. ومع ذلك، يقول جبر:
"لقد وجدتْ هذه الأعمال طريقها إلى فضاءات العرض، وأثبتت أنّها أكثر من مجرّد صور جامدة؛ فهي وثائق حيّة تنبض بالذّاكرة والعاطفة، وتحمل بين خطوطها إحساسًا بالهويّة لا يزال يتردّد صداه عبر الأجيال". ويضيف جبر أنّ المعرض "يستعرض كيف قدّم لبنان نفسه إلى العالم كوجهةٍ سياحيّة وثقافيّة بارزة خلال القرن العشرين. ويشكّل معرض "انطباعات من الجنّة" في جوهره، تعبيرًا عن التزامي العميق بالحفاظ على الإرث البصري والثّقافي اللّبناني وفهمه، من خلال تتبّع الخيوط المتشابكة الّتي نسجت هذا التّاريخ عبر أربعة قرون، بدءًا باللّوحات الاستشراقيّة، مرورًا بالصّورة الفوتوغرافيّة، وصولًا إلى الفنّ الحديث".
تحوّلات صورة لبنان
منسّقة المعرض نور عسيران توضح من جهتها لـ "نداء الوطن" أنّه يرتكز على أربع سماتٍ أساسيّة، جرى توزيعها ضمن غرف منفصلة، بحيث يتنقّل الزّائر من غرفة إلى أخرى لاكتشاف محتوى متنوّع يعكس موضوع كلّ مجموعة. والهدف خلق تجربة بصريّة شاملة تُبرز السّياقات المختلفة للأعمال المعروضة.
وعن عنوان المعرض، تشير عسيران إلى أنّ اختيار كلمة "انطباعات" مرتبط بطبيعة الملصقات المعروضة، كونها مطبوعة. بينما يُحيل تعبير "من الجنّة" إلى مضمون هذه الأعمال التي تربط لبنان بصورةٍ مثاليّة، أقرب إلى الجنّة، كما كانت تُسوّق له في الماضي.
أما بالنسبة إلى مشاركة الفنّانين المعاصرين - باستثناء كالين عون -، فتؤكّد عسيران أنّ "هذه الأعمال منتقاة أيضًا من ضمن مجموعة فيليب جبر، وقد اختيرت لتحفيز الزّائر على ملاحظة التحوّل الحاصل في مفهوم "الثّقافة البصريّة في الفن"، أي كيفيّة تشكّل الصّور ودورها في بناء مفاهيم الجمال، الهويّة، السّلطة والواقع، ضمن السّياقات الاجتماعية والثّقافية المتغيّرة".
إذًا، بكلّ تلك "الخلطة" الفنّيّة التي تجمع الماضي بعيون الحاضر المعاصرة، يتناول "انطباعات من الجنّة" الطّبقات المتعدّدة للحلم اللّبناني الذي مضى، ويكشف عن الأثر العميق الّذي تركه هذا الحلم في الذّاكرة الجماعيّة. ويدعو المعرض إلى التّأمّل في الكيفيّة التي تعبّر بها الأمم عن هويّتها بصريًّا، حيث نشهد كيف تتفتّت تلك الصُّور وتتغيّر مع الزمن، لكنّها في الوقت نفسه تظلّ حيّة ومستمرّة في وجدان الأجيال المتعاقبة.
إشارة إلى أنّ "جناح نهاد السَّعيد للثّقافة" الكائن ضمن "المتحف الوطني" في بيروت، افتُتح في خريف 2024، حيث يستضيف الجناح معارض معاصرة تركّز على قضايا اجتماعيّة وثقافيّة متنوّعة. وتقول لجنة "الجناح" إنه "يقع في لبنان لكنّ امتداده عالمي. وهو يوفّر موطنًا نابضًا بالحياة لرعاية الحوار الفنّي والثّقافي، والاحتفال بالتّعبير الإبداعي، والاعتراف بالذّاكرة والتّأمّل فيها. ويواصل المتحف مهمّته في الحفاظ على تراث لبنان وبثّ التّعبيرات الإبداعيّة الحديثة والمعاصرة التي تتردّد صداها في روحه".
*يستقبل المعرض زوّاره حتى 30 تشرين الأول 2025، من الثلثاء إلى الأحد، من الساعة 10 صباحًا حتى 5 بعد الظهر.
من هو فيليب جبر؟ يُعدّ فيليب جبر واحدًا من أبرز هواة جمع الأعمال الفنّيّة المرتبطة بالذّاكرة الثّقافيّة اللّبنانيّة. هو رجل أعمال لبنانيّ يقيم في الخارج منذ سنواتٍ طويلة. بدأ منذ العام 1989، رحلة بحثٍ شغوفة بين باريس ولندن، هدفها توثيق صورة لبنان كما عرفه العالم قبل اندلاع الحرب الأهليّة عام 1975، فراح يجمع الملصقات التّرويجيّة، واللّوحات، والصّور، والكتب النّادرة التي تعكس مرحلة الازدهار السّياحيّ والثّقافيّ للبلاد. وقد تطوّر هذا الشّغف إلى مشروع فنّيّ مشترك مع صديقه غابي الضّاهر، تمثّل في تقصّي أقدم الملصقات التّرويجيّة التي صُمّمت للبنان في الخارج، بوفرة، فسعيا إلى جمعها وتصنيفها، واعتبراها وثائق فنّية فريدة تعبّر عن هويّة لبنان كما طُبعت في الذّاكرة العالميّة. |
