نبيل يوسف

هكذا واكبت الانتشار السوري في الساحل البتروني (الجزء الثاني)

ثكنة المدينة الكشفية: تاريخ كبير في صمود الشمال المسيحي

10 دقائق للقراءة
العماد فيكتور خوري

كانت مهمة ثكنة الجيش اللبناني في القبة، مواكبة ومراقبة القافلة السورية المنطلقة من معرض طرابلس باتجاه جسر المدفون حتى شكا، ومن بعدها تصبح المهمة من مسؤولية ثكنة المدينة الكشفية التي كانت وقتها بقيادة العقيد موريس أبو رعد.


بدايات ثكنة المدينة الكشفية

من الصفحات المضيئة في تاريخ الأقضية الشمالية المسيحية، ثكنة الجيش التي أنشئت بداية نيسان 1976 في المدينة الكشفية في سمار جبيل وسط البترون.


شهد آذار عام 1976 انهيارًا شبه كامل لمقومات الدولة اللبنانية:

- دخلت المنظمات الفلسطينية الحرب ضد "الجبهة اللبنانية"، وأعلنت أن هدفها هو الحسم العسكري، فاشتعلت الجبهات وكان الصمود أشبه بالمعجزة.


- قاد قائد موقع بيروت العسكري اللواء الركن عزيز الأحدب انقلابًا عسكريًّا، مطالبًا رئيس الجمهورية سليمان فرنجية بالاستقالة. في المقابل أعلن العقيد أنطوان بركات ومجموعة كبيرة من الضباط رفض هذا الانقلاب معلنين ولاءهم للشرعية.


- اضطر رئيس الجمهورية لمغادرة قصر بعبدا والانتقال إلى كسروان لإدارة شؤون البلاد.


- سقوط ثكنات الجيش اللبناني في الشمال في أيدي "جيش لبنان العربي": ثكنتا بهجت غانم ويوسف هليل في القبة وثكنة عرمان وموقع الرادار في جبل تربل وقاعدة القليعات الجوية، ولم تبقَ خاضعة لقيادة الجيش في اليرزة إلا ثكنة عندقت بقيادة الضابط جورج معيكي وثكنة الأرز بقيادة الضابط جورج رعد، ورافق سقوط الثكنات إعدامات لرتباء وجنود رفضوا الانضمام إلى الحركة الانفصالية.


كان سبق سقوط ثكنات الشمال، سقوط العديد من الثكنات في بيروت والبقاع والجنوب، ومغادرة مئات الضباط والجنود الذين رفضوا الانضمام إلى الانقلابيين، ومنهم من التحق بأحزاب ومراكز عسكرية أخرى.


في الشمال أيضًا التحق العديد من الضباط والجنود الذين تركوا وحداتهم العسكرية بالمواقع العسكرية التي لا تزال تخضع لقيادة الجيش وهي: موقع الكرملية قرب زغرتا بقيادة الضابط سعيد بو عرب وموقع دار بعشتار بقيادة الضابط (الشهيد) نهرا الشالوحي وموقع شكا بقيادة الضابط حليم كيروز.


في هذه الأجواء، قرر الرئيس فرنجية بعد التشاور مع أعضاء "الجبهة اللبنانية" وكانت تضم الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والآباتي شربل قسيس، إقامة ثكنة عسكرية في الشمال تجمع المواقع العسكرية وتضم الجنود الذين التزموا منازلهم ومن يرغب بترك الأحزاب التي التحقوا بها. وكلف فرنجية نائب البترون جورج سعاده ملاحقة الموضوع من قبله.


اقترح قائد الجيش العماد حنا سعيد اسم العقيد (العماد قائد الجيش لاحقاً) فيكتور خوري لقيادة الثكنة. كان خوري يشغل منصب نائب قائد منطقة الشمال العسكرية، وكان اغتيل قائد المنطقة العقيد عبد المجيد شهاب قبل أسابيع قليلة وهو في طريقه الى مقر قيادته.


باشر العقيد خوري الملتزم منزله بعد سقوط مقر قيادة موقع الشمال في القبة اتصالاته مع الضباط لاختيار الموقع المناسب. طرح بداية 5 مواقع هي: ثانوية البترون الرسمية، وكان قد أقيمت فيها ثكنة عسكرية تحت اسم "القوات اللبنانية – أنصار الجيش اللبناني" بقيادة العميد جوزف البيطار وضمت عشرات الضباط والجنود ومقاتلين مدنيين معظمهم من أنصار "الكتلة الوطنية"، ومن الذين لم يرغبوا بالانتساب إلى أحزاب "الجبهة اللبنانية".


تكميلية البترون الرسمية للصبيان وكانت مركز تجمع لمقاتلي "نمور الأحرار" في البترون. معهد علوم البحار في البترون وكان يقيم فيه المهجرون من بلدة دير جنين العكارية. مبنى الريجي أعلى البترون وكان مركز تجمع لمقاتلي لواء تنورين. المدينة الكشفية في سمار جبيل وكانت مركز تدريب لمقاتلي إقليم البترون الكتائبي.


بداية، صرف النظر عن الثانوية والتكميلية ومعهد علوم البحار، فالمدارس لا بد ستعاود انطلاقتها ولا يمكن إخراج المهجرين من مكان سكنهم حاليًّا.


ما بين مبنى الريجي والمدينة الكشفية اختار الضباط الموقع الثاني لسهولة الوصول إليه، لا سيما الآليات والشاحنات العسكرية.


وافق حزب "الكتائب" على إخلاء معظم المدينة الكشفية على أن يبقى متواجدًا مرحليًا في الجهة الشرقية عند المدرج الروماني لإكمال الدورات العسكرية التي تقام. 


في هذا الوقت كان العقيد فيكتور خوري استحصل على مذكرة خدمة من قيادة الجيش لإطلاق الثكنة.


أخبر العماد خوري لاحقًا أن "الوضع كان صعبًا ودقيقًا، فمئات الضباط والرتباء والجنود سيلتحقون بالثكنة خلال أيام وعليه تأمين أقله بداية المطبخ وآليات النقل والألبسة وعتاد المبيت وأسلحة خفيفة وأموال لصرفها كسلف على المعاشات. أما اقتراح ضمّ مدنيين لا يرغبون في الالتحاق بوحدات حزبية، فقد رُفض. الأفضل التعامل مع العسكر من دون مدنيين، مع إمكانية إقامة دورات عسكرية لمدنيين يرغبون في الإلتحاق بالجيش".


تابع خوري: "لم يكن مقررًا انطلاق الثكنة يومها، كان هناك اجتماع ضم قرابة 15 ضابطًا وتلميذ ضابط بعضهم تسلموا لاحقاً مراكز مهمة جداً، ولكن كالنار في الهشيم انتشر بين الجنود خبر أن عليهم الالتحاق فورًا بالمدينة الكشفية فوصلوا بالعشرات. كنا في الاجتماع عندما دخل أحد الضباط وأبلغنا أن عشرات الرتباء والجنود يقفون في الباحات الخارجية منتظرين شيئًا ما. أجمع الضباط على ضرورة خروجي للتحدث إليهم وإبلاغهم بقرار انطلاق الثكنة".


وما إن أطل العقيد خوري على الباحة التي يتجمّع فيها الجنود، ومن دون تكليف صرخ المعاون إبراهيم شاهين: "تأهب". وفي لمح البصر كان حوالى 200 رتيب  يقفون في صفوف متراصة. هنا همس ضابط كان يقف خلف العقيد خوري لزميله قائلًا: "انطلقنا".


في كلامه، كان العقيد خوري واضحًا وحازمًا: "هنا ثكنة عسكرية تتبع قيادة الجيش. هنا لا ازدواجية ولاء. هنا سيطبق النظام العسكري بحذافيره. في هذه الأجواء لا يمكننا إرغام أحد على البقاء، ولكن من يقرر البقاء عليه أن يعلم أنه في ثكنة عسكرية". وفي نهاية الاجتماع لم يغادر أي جندي. يقول العماد خوري: "ما إجوا تا يفلوا، بل وقفوا أمام أمانة السر التي استحدثت يسجلون رتبهم وأسماءهم وأرقامهم العسكرية".


عصرًا ، التقى العقيد خوري الدكتور جورج سعاده وكان مسرورًا، ومما قاله: "لقد انطلقت الثكنة فلحظة خروجي من المدخل الرئيسي قدمت أول نوبة حرس السلاح كما تقضي الأصول العسكرية، وما زال الضباط والرتباء والجنود يصلون تباعًا وبعضهم في ثياب مدنية".


هذه كانت الخطوات الأولى لتأسيس ثكنة المدينة الكشفية، التي لعبت أدواراً مهمة على صعيد بلاد البترون والشمال ولبنان، وقد يكون من أصعبها اضطرارها لقيادة الهجوم المضاد لتحرير شكا وحامات في 5 تموز 1976.


يومها وصل الفلسطينيون إلى مشارف البترون، وكاد الساحل يسقط في أيديهم، ما دفع "الجبهة اللبنانية" لإعلان النفير العام وقرعت أجراس الكنائس ووصل آلاف المقاتلين إلى البترون.


في سراي البترون،  حيث استحدثت غرفة عمليات عسكرية، عقد اجتماع تقرر خلاله وضع جميع الوحدات المقاتلة تحت إمرة العقيد فيكتور خوري وتكليفه قيادة الهجوم المضاد.


ليس المجال هنا لرواية ما جرى يومها، لكن أتوقف عند ما قاله مسؤول عسكري يساري سابق شارك في الهجوم على شكا: "عندما بدأت قذائف المدفعية تتساقط علينا محققة إصابات مباشرة، أدركنا أن ضباط الجيش استلموا مرابض المدفعية فأصبح الهمّ منصبًا على الانسحاب بأقل قدر ممكن من الخسائر".


بعد تعيين العقيد خوري قائداً للجيش تسلم الثكنة العقيد موريس أبو رعد، الذي واجهته صعوبات كثيرة لا سيما صيف 1978 عندما اقتحمت القوات السورية بلاد البترون، بعد معارك مع مقاتلي "الجبهة اللبنانية".


ومن ثم تعاقب على قيادة الثكنة عدة ضباط منهم، العقيد الشهيد نهرا الشالوحي والعميد أنطوان صوان والعميد سامي ريحانا وغيرهم. ولا تزال هذه الثكنة تشكل صمام أمان لأبناء البترون والشمال.


دور الثكنة في مواكبة الانتشار السوري في صيف 1978

عند وصول القافلة السورية إلى شكا وتوقفها عند مفرق الأرز، التقى العقيد موريس أبو رعد العقيد السوري زهير مستت وضباط قيادته بهدف تنسيق الانتشار، وأكد لهم أن جميع مقاتلي "الجبهة اللبنانية" غادروا قراهم إلى منطقة جبيل. خلال اللقاء أبلغه العقيد مستت أنهم سيبقون في شكا حتى تلقيهم الأوامر بإكمال الانتشار الذي قد يتم صباح اليوم التالي. لم يقتنع العقيد أبو رعد وضباط الجيش بكلام الضابط السوري وحدسوا أن الانتشار السوري سيستمكل بعد ساعات، فأبقوا في شكا عدة جنود مهمتهم مراقبة الوضع.


ظهرًا عندما أدار السوريون محركاتهم وبدأوا التقدم باتجاه ساحل البترون، كانت تسبقهم آلية "جيب" للجيش اللبناني مهمتها تحذير من تلتقيه، كما تم إبلاغ ثكنة المدينة الكشفية.


فور تبلغها بالتقدم السوري أرسلت ثكنة المدينة الكشفية عدة آليات وسيارات مدنية تجول داخل البلدات محذرة من يجب تحذيرهم، وقامت بنقل العديد من الشبان الذين التقتهم وأوصلتهم إلى خارج ساحل البترون: كان لهذه الدوريات دور محوري في إنقاذ الكثير من الشبان من أيدي السوريين.


مساءً زار العقيد أبو رعد يرافقه عدد من الضباط العقيد السوري مستت في مقر قيادته في كفرعبيدا.


كان السوريون متوترين جداً ولديهم تخوف من قيام مقاتلي "الكتائب" و"الأحرار" بمهاجمة مراكزهم ليلاً، فحاول العقيد أبو رعد طمأنتهم بأن لا نية لأحد بفتح معركة مع الجيش السوري وقوات "الجبهة اللبنانية" تركت نهائيًا ساحل البترون، وزيادة في الاطمئنان اقترح العقيد أبو رعد أن يبقى تلك الليلة ضابط لبناني أو أكثر في كل مركز سوري، لكن السوريين رفضوا مهددين أن أي طلقة رصاص ستطلق عليهم ستواجه بعقاب قوي.


نام ساحل البترون تلك الليلة والكل خائف: الأهالي خائفون من هذا الجيش الغريب القادم اليهم وخائفون مما تخبأه الأيام القادمة، والجيش السوري خائف من أي عملية تنفذ على مراكزه.


وحدها ثكنة المدينة الكشفية لم تنم وبقي من فيها ساهرين يتابعون التطورات، وسط الخوف والقلق من أي حادث غير متوقع قد يخرب كل ما تم البناء عليه.


صباح اليوم التالي، كان اليوم الأول للجيش السوري في ساحل البترون، ففيما انشغل السوريون بتدعيم وتجهيز مراكزهم، كان اهتمام ضباط وجنود ثكنة المدينة الكشفية إنقاذ ما لم يتم إنقاذه بعد، لا سيما تأمين أغراض وحاجيات للذين خرجوا من قراهم، واستلام الأسلحة والذخائر التي لا تزال في ساحل البترون قبل وقوعها في أيدي السوريين.


راح الشبان الذين خرجوا من قراهم يقصدون ثكنة المدينة الكشفية في سمار جبيل وحاجز الجيش اللبناني في كفركده على الحدود الفاصلة بين منطقتي البترون وجبيل، ويبلغون الضباط بالحاجيات التي يرغبون بإخراجها من قراهم وبأماكن وجود الأسلحة والذخائر التي لم يتمكنوا من إخراجها.


بسرية مطبقة كان ضباط ورتباء وجنود الجيش يقومون بنقل الحاجيات إلى طالبيها وتسلم الأسلحة والذخائر التي كانوا ينقلونها إلى ثكنة المدينة الكشفية لتصبح ملكًا للجيش اللبناني.


يقول العقيد أبو رعد: "كان قرار الجيش واضحًا جدًا وأبلغناه لمسؤولي الأحزاب: الأسلحة والذخائر التي يتسلمها الجيش يوضع محضر بها ولا يمكن تسليمها لأحد".


بعد نحو أسبوع كان كل شيء قد سوي تقريبًا وتم إخراج كل ما يجب إخراجه من ساحل البترون وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ منطقة البترون.


وهنا لا بد من التنويه بهذا الدور الذي لعبته ثكنة المدينة الكشفية وضباط وعناصر مخفري درك البترون وشكا في تلك الظروف القاسية، رغم الخطر الذي قد يتعرض له الضباط والجنود لو تم اكتشاف ما يقومون به.




العميد موريس أبو رعد





لقراءة الجزء الأول يرجى الضغط هنا