"ومضات زمن" (دار المفيد ناشرون) كتابان جديدان من لبنان، في طريقهما إلى "المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة" في باريس. عنوان واحد لكتابَين بجزءَين: الأول نثر وشعر، والثاني مخصّص للزجل. وضعهما العميد المتقاعد وسيم سمعان، وهما يقدّمان صورة غير تقليدية لعسكري لبناني ويكشفان جانبًا إنسانيًّا قلَّما تتمّ الإشارة إليه في الإعلام.
في مؤلَّفَيه اللذَين يربو كلّ منهما على ثلاثمئة صفحة مكتوبة (خالية من الصور الفوتوغرافيّة)، يقدِّم لنا سمعان تجربة أدبيّة فريدة تجمع بين الفصاحة العربية الكلاسيكية ونبض اللهجة اللبنانية المحكيّة، حيث يتداخل الشعر الوجداني بالزجل الشعبي.
في هذا اللقاء عبر "نداء الوطن" نحاور وسيم سمعان، لا بصفته عميدًا متقاعدًا بل كحامل لومضات مفتوحة على الزمن، اخترنا بعضًا منها وأدرجناه قبل أسئلتنا التي طرحناها على الكاتب.
"سأسير للجيش فجرَ العزمِ ملتهبا لا يُرهِبُ القلبَ وَعد الموتِ أو خَطَرُ"
- لماذا التحقتَ بالجيش؟
بعد أن سبقني إلى التطوع زملاء ورفاق دراسة، بحثتُ عن مستقبلي وشعرت أنّ مكاني الطبيعي هو حيث يدعوني الواجب الوطني. لم يكن الزيّ العسكريّ المنشود وظيفة، بل كان وعدًا لنفسي ولوطني بالتضحية ودوام الوفاء له ولرفاقي والمحافظة على شرف القيام بالواجب.
"كتبتُ لأنّي رأيتُ العُمرَ يمضي خفيفاً وما خَفَّ لا يُمسَكُ إلَّا بحبر القصيد"
- لماذا وضعتَ هذَين الكتابَين؟
شعرت أنَّ المكان الطبيعي لذكرياتي وأشعاري، هو أمام أَعيُنِ الأحبّة لا في البال. الكتابة كانت نوعًا من الوعد لنفسي بأن أجعل كلّ من يقرأ كتبي يشعر أنَّ الكتابَين يمثلان وعدًا دائمًا بالوفاء للأهل والرفاق والزملاء والأصدقاء. كما آمَل أن يمثِّل الكتابان لكلِّ عاشقَين وعداً دائمًا بالمحافظة على الحبّ بكل وفاء وتضحية وشرف.
"تعلّمتُ أنَّ الصمت درعُ الحكيم وأنَّ الوقار جندي لا ينام"
- ما الذي تعلَّمتَهُ في الجيش؟
علّمني الجيش الصمت. علّمني كيف أتحمَّل. علّمني كيف أكون صارمًا من الخارج ودافئًا من الداخل. تحت البدلة العسكرية وهيبتها، كان هناك قلب يكتب ويتذكَّر ويشتاق.
"أنا الجنديُّ الذي في العنفوان يسطع لكنَّ قلبي حبٌ، لا يعرف الإنطفاء"
- وهل أنت العسكري الوحيد الذي لديه قلب يكتب ويتذكَّر ويشتاق؟
حتمًا لا. لكلّ عسكري قلب يُحبّ ويتذكَّر ويشتاق. لكن ليس كلُّ عسكري يتحوَّلُ كاتبًا.
"بين صلابة السلاح وهمس القلب أحنو وأحكي في شعرٍ ما تبوح به الصدور"
- كيف وازنتَ بين صرامة الحياة العسكرية و رقَّتك الفنّية الواضحة في كتابَيك؟
كنت أعيش حياةً مزدوجة: رجلٌ صارم نهارًا، ورجل يهمس بباله ليلًا. كنت أكتب على هامش ذهني سطورًا لا يراها أحد. وكانت هذه السطور تحفظني من القسوة على الذات وعلى الآخرين.
"حبُّ الكلمة دفعني لسحرين مختلفين، في النثر أسردُ، وفي الزجل أغنّي الأنين"
- ما الذي دفعك لوضع هذَين الكتابَين؟
رغبتي بالكتابة لم تتوقّف مذ كنت على مقاعد الدراسة. كلُّ من عرفني كان يشجّعني لا بل يطلب منّي الكتابة. حبيبتي زوجتي في البداية، أرادت أن أُدَوِّنَ كلمات حبّنا. أولادي عندما كبروا، ورفاق سهراتنا وجلساتنا. في البيت طاولة صغيرة مستطيلة عمرها من عمر سنين الدراسة، وللمفارقة فيها محبرة فارغة ناصعة البياض، ومكان لريشة الكتابة المشطوبة المخصَّصة للخطّ العربي. كانت الريشة والمحبرة تبدوان وكأنهما تناديانني بشكل دائم. إلى أن ذات يوم، سكبتُ حبرًا في محبرتي، وها ريشتي تنغمس في بحر الكتابة وهي تقول لي: لا تستعملني لتكتب عمَّا يسمعه ويعرفه العالم. لا تكتبْ عن الحروب ولا عن يومياتها والأوجاع التي سبّبتها وتسبّبها. إنسَ المعارك والتهجير وفقدان الأحبة. لا تكتبْ عن الفساد والظلم وظلام المستقبل، بل عن الضيعة الصافية وروائح الورود على أدراج بيوتها. اكتبْ عن الخبز وخير الأهل. عن المدرسة والرياضة والضحك والأمل والعلم والأساتذة والمعلمات والأصدقاء. اكتب عن الأغنيات والفنون. عن أول وآخر حبيبة. عن إخوتك وأخواتك وأولادك. عن حبِّك وما يميّزه عن أيّ حبّ آخر. اكتبْ لأحفادك حتى يبقى اسمك يلمع كنجومك التي تزيّن كتفَيك فتكون لهم دليلًا حين يكبرون. باختصار: الكتابة كانت حاجة داخلية مستمرّة ببالي منذ الصِّغَر. ولمّا كبرت، شعرت كأنّ الصّمت أراد أن يتحوَّل إلى كلمات.
"فصحى البيان تُغني الكُتُبَ والزجلُ لبنانُ يُشعِلُنا طَرَبا"
- بكتاباتك اخترت المزج بين اللّغة العربية الفصحى واللبنانية العامية.
الفصحى تعطي لكلماتي أسس البناء الأدبي. قواعد، أوزان، وبلاغة. أمّا اللهجة اللبنانية، فهي التي أتكلّمها وبها أفكِّر حين أضحك أو أغضب أو أتذكر. العربية الفصحى تحفظ التراث، واللبنانيّة تحفظ الذاكرة الحيِّة.
"نقشتهما بالروح قبلَ مداد قلمي فالفكر كان بداية والخطُّ ملتحِقا"
- قلتَ إنك وضعتَ الكتابَين بفكرك قبل الورق. كيف حصل ذلك؟
كنت أدوّن القصائد في دماغي بيتًا بعد بيت، وأردّدها بصمت وأعيشها قبل أن أكتبها. وكنت كلّما أمسكت قلمي على الورق، تعرف الحروف طريقها لوحدها.
"أركض للذكرى كأنّي خائفٌ من أن تطويني سنين النسيان خلسة"
- نلاحظ في كتبك تركيزًا كبيرًا على الطفولة، والأهل، والعائلة، وعلى القرية والطبيعة، كما على أيام الدراسة والمعلّمين. هل هذا نوع من الهروب من النسيان؟
نعم. الكتابة عندي نوع من مقاومة ناعمة للنسيان. كتبتُ حتى تبقى رائحة بيتنا في أوراقي، وصوت أمي وأبي وأصوات ملاعب المدارس ومقاعد الدراسة. كتبت وسأكتب لأحفادي. كتبت حتى يعرفوا من أين أتوا.
"غابوا، وتركوني وحيداً كالندى أبكي على أغصان قلبي المغتربينا"
كيف عشت البعد عن أولادك وهم اليوم مغتربون بين أميركا وكندا؟
البعد وجع لا يظهر لكنَّه لا يختفي. حاولتُ وأحاول ألَّا أُظهر وجعي لأولادي. لكن كلّ أغنية، وكلّ نص في كتابيَّ، هو رسالة حبّ غير مباشرة أرسلها لهم ما إن أشعر أنني سأخلدُ إلى النوم، كذلك ما إن أفتح عينيَّ كلَّ صباح.
"جالستهم، فتنفَّست المعاني حكمةً وسكبتُ من أرواحهم شعرًا على زمني"
التقيتَ شخصيات كبارًا، بخاصة شعراء وفنانين وأدباء، كالرحابنة وسعيد عقل وغيرهم. ماذا تعلَّمت منهم؟
هؤلاء الكبار الذين رافقتهم وجالستهم وحاورتهم وتبادلت معهم الرأيَ والمشورة والنصيحة، أقنعوني بأنّ لبنان رغم الحرب ينبغي أن يستمرَّ يُغنّي. تعلّمتُ منهم جمال الكلمة، وعمق الأغنية، وقيمة المسرح. أنا العسكري، رأيت فيهم جنوداً للأدب والفن والمسرح. كانت لهم لمسة فنية نبيلة في حياتي أثَّرت بي.
"ما زال عودي يناغي لَحنَ أيامي رفيقُ روحي ولو خَفَّتْ مواسِمُها"
- أعرف أنَّك تعزف على العود وتغنّي مع عائلتك بخاصةٍ في المناسبات. هل الآن وأنت متقاعد، ما زالت الموسيقى رفيقتك؟
نحن دائما نغنّي عندما نتألَّم ونغنّي عندما نفرح. والموسيقى كانت مثل ملجأ لي في وجه التعب. اليوم عندما نغنّي في إطار الأسرة، أكون بينهم أباً بسيطًا سعيدًا جدًّا بوحدتهم وتضامنهم، وبأصواتهم وضحكاتهم، وآمالهم وتطلعاتهم.
"جمعنا الذكرى وعطَّرنا الدرب وفاءً لأهل العلمِ نورًا، نكرِّمهم رجاءً"
- مع رفاق مدرستك، في إطار "رابطة قدامى مدرسة مار شربل - الجيّة"، كرَّمتم أساتذتكم القدامى بحفل كبير.
لأنهم زرعوا فينا ما صرناه. وفي زمن يُنسى فيه الكبار، أردنا القول لكلّ الذين علّمونا: نحن نتذكّركم ونقدّركم. وهذا أقلّ واجب تجاهكم، فرجاءً اقبلوا التكريم.
"يا شباب لبنان، زهر الأملِ لا يذبُلُ، احملوا الحلمَ، فالمجد لكم يُرسَلُ"
- بماذا تنصح قرَّاءك الشباب؟
لا تنسوا جذوركم. غنّوا وتذكَّروا. التقدُّم ليس في أن ننسى، بل في أن نحمل الذاكرة معنا إلى المستقبل.
"أزرعُ الأفكار في بستان الأوراق فتنبت الأحلام قصائد صباح"
- هل لديك مشاريع كتابة جديدة؟
عندي دومًا دفتر مفتوح على الطاولة. طالما هناك نبض سأستمر أكتب. وربما سأكتبُ حوارًا بين الشاب الذي كنتُه والضابط الذي صرتُه.
- إذا طلبت منك تلخيص حياتك ببيت شعر واحد، فماذا تقول؟
بين البندقية والقلم ظلَّ قلبي يكتب القصيدة الأولى للحبيبة الأولى.
يوقّع وسيم سمعان مؤلَّفَيه الساعة 6:00 مساء الأربعاء 23 تموز 2025، في "متحف رودي رحمة" - نهر الكلب، ضمن احتفاليّة تتخللها كلمات وقراءة قصائد من الكتابَين.