بشارة جرجس

السويداء تُسقِط رهان توم برّاك… فهل تستفيق المكوّنات اللبنانية أم نبقى دولة "زومبي"؟

3 دقائق للقراءة

الأحداث الأليمة في السويداء لم تكن مجرد محطة دامية، بل شكّلت نقطة تحوّل عطّلت مسار خارطة الطريق التي وضعها السفير توم برّاك في سوريا ولبنان. ولعلّ عودته المبكرة إلى بيروت، واستعجاله للبناء على مواقف الرؤساء الثلاثة والقوى الاخرى، يُعدّ مؤشراً على إدراكه أن المشهد دخل مرحلة جديدة من التعقيد والتبدّل، خصوصاً في ضوء التوترات المتسارعة جنوب سوريا.


هذه التطورات فرضت على الولايات المتحدة ضرورة إعادة تقييم سياساتها، وإعادة قراءة التفاصيل المُرهِقة للمشهد في المنطقة، لا بوهم الاختزال، بل بحقيقة التباينات التاريخية العميقة، والخصوصيات الهوياتية والثقافية والسياسية للمكوّنات المؤسسة للمشرق.


فالنظام الذي يتزعّمه أحمد الشرع، رغم ما قيل عن كونه "نافذة للانفتاح"، لا يمكنه أن يكون الحليف الاستراتيجي الوحيد لواشنطن في سوريا؛ لا درزي، ولا كردي، ولا مسيحي، ولا حتى جزء من السنّة، سيقبلون بالخضوع لحكم وجيش وأجهزة أمنية سلوكها متطرّف ودموي. وما حدث في السويداء من مواجهات دامية هو دليل واضح على هذا الرفض الصلب للحكم المركزي المتطرّف.


الرهان الأميركي على الرئيس الشرع كجسر لضمّ سوريا تحت نظام واحد وإلى معسكرها، رهانٌ هش، بل خاطئ، لأن الواقع الجغرافي والسياسي يؤكّد أن الشرع لا يحكم أكثر من 35% من الأراضي السورية، أما الباقي، فهو تحت نفوذ مكوّنات تكرّس واقعاً على الأرض مغايراً لطموحات السفير توم برّاك: الأكراد بحكمهم الذاتي، وجبل العرب بإرادة الدروز الصلبة، والمناطق الأخرى التي تتأرجح بين هدنة ومواجهة.


في ضوء هذه الحقائق، بات واضحاً أن سوريا تسير، ولو ببطء، بخطى ثابتة نحو صيغة حكم لامركزية سياسية أو اتحادية، يفرضها الواقع على الأرض أكثر من الرغبات أو الأوهام السياسية الخارجية.


وانطلاقاً من هذا المشهد، آن الأوان للمكوّنات اللبنانية أن تطرح على نفسها السؤال الوجودي: هل سنستمر في لعبة المَطّ والمماطلة تحت دستور أثبت عجزه السياسي والاقتصادي، وأحرق أعمار اللبنانيين ويهدّد مستقبلهم؟ أم سنمتلك الشجاعة لاقتناص الفرصة، كما الأكراد والدروز في سوريا، واتخاذ قرار يضع مصيرنا بأيدينا، ويُخرجنا من دائرة الفيتوهات والمغامرات التي يفرضها حزب الله والرئيس برّي وسواهما، ممّن لا يزال يجد لذّة في العيش فوق رماد الانهيار، غير آبه بمستقبل أولاده، ولا بمصير الناس الذين من المفترض أن يمثّلهم؟


إن اتخاذ القرار الجريء باعتماد صيغة جديدة، حكم لامركزي سياسي أو فدرالي، يسمح لكل مكوّن بإدارة شؤونه وأمنه وتنميته، قد أصبح ضرورة ملحّة. فالتجربة السورية الأليمة تقدّم دروساً لا لبس فيها؛ تجاهل الواقع يقود إلى الفوضى، والمغامرة تؤدي إلى المزيد من تفكّك وانهيار ما تبقّى من مؤسسات.


ما حدث في السويداء يُمثّل فرصةً ذهبية للبنان: فرصة وصحوة لإعادة تشكيل نظامنا السياسي بشكل يضمن لكل مكوّن فيه الحرية والكرامة والأمان، ويمنع المغامرين من المقامرة بمصير كل المكوّنات، تحت شعارات رنّانة كـ "الدولة، والعيش المشترك، ونبذ الطائفية، والفتنة، والحفاظ على السلم الأهلي"، وكأن النظام الفدرالي لا يحافظ على الدولة، ولا ينبذ الفتنة، ولا يحافظ على السلم الأهلي!


لكن في الواقع، تحت شعاراتهم هذه، الناس هاجرت وأفلست وماتت ودُمِرَت بيوتها ومؤسساتها، وأصبح البلد "زومبي" لدولة موبوءة، لا دواء لها سوى بنظام جديد بالكامل.