"المونة اللبنانيّة" جزء أساسي من التراث الغذائي والثقافي في بلدنا، وهي تمثّل نمط حياة يعتمد على التخزين المنزلي للأطعمة الموسميّة بطريقة طبيعيّة وصحيّة. تُحضَّر "المونة" في القرى والبيوت اللبنانية خصوصًا في فصلَي الصيف والخريف لتأمين الغذاء خلال فصل الشتاء.
وتشمل مجموعة واسعة من المنتجات، مثل المربّيات، المخلّلات، الزعتر، اللّبنة، الكشك، دبس الرمّان، الزّيتون، والمواد المجفّفة كالبندورة والبقوليّات.
الكبيس:
هو الاسم اللبنانيّ للمخلّلات. هي خضراوات تُحفظ في محلول من الماء والملح (وأحيانًا الخلّ)، وتُترك لتتخمّر طبيعيًّا، ما يُضفي عليها طعمًا حامضًا ومقرمشًا. أمّا فوائده الغذائية فهي كالتالي:
- غنيّ بالبروبيوتيك: خصوصًا إذا تمّ تخميره طبيعيًا من دون خلّ أو مواد حافظة. هذه البكتيريا تدعم الجهاز الهضمي والمناعة.
- يحافظ على الفيتامينات: مثل فيتامين "C" و "A" و "B"، خاصةً عندما يُحضَّر بطريقة طبيعيّة ومن دون تعريضه للحرارة. هذا يمنحه قيمة غذائية عالية كمضاد أكسدة، ما يساعد الجسم على محاربة الجذور الحرّة التي تُساهم في ظهور علامات الشيخوخة المبكّرة والتجاعيد، وحتى تقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.
- منخفِض السعرات الحرارية: الكبيس لا يحتوي على الدهون والكوليسترول، وهو مناسب للأنظمة الغذائيّة المنخفضِة السّعرات.
- مصدر للألياف: كلّ حبّة كبيس خيار تحتوي على 2 غرام من الألياف.
ملاحظة غذائية مهمة:
رغم فوائده، ينبغي تناول الكبيس باعتدال، خصوصًا لمرضى الضغط، لأنه يحتوي على نسبة مرتفعة من الصوديوم (الملح) الذي قد يسبّب احتباس السوائل أو ارتفاع ضغط الدم إذا استُهلك الكبيس بإفراط.
الزيتون المكبوس:
هو من أشهر أنواع الكبيس في المونة اللبنانية. يُحضَّر عادةً في موسم قطاف الزيتون، حيث تُنقع الحبّات في محلول من الماء والملح، وأحيانًا مع شرائح ليمون، فلفل، وزيت زيتون، ويُترك ليتخمّر ويأخذ طعمه اللذيذ. أمّا فوائده الغذائية فهي كالتالي:
- غنيّ بالدهون الصحية: يحتوي على دهون أحادية غير مشبعة (مثل زيت الزيتون)، وهي مفيدة لصحة القلب وتساعد على خفض الكوليسترول الضارّ وزيادة الكوليسترول الجيّد.
- مصدر لمضادات الأكسدة: الزيتون يحتوي على مضادات أكسدة قوية مثل فيتامين "E" والبوليفينولات، التي تساعد في تقوية المناعة، حماية الخلايا، وتأخير علامات الشيخوخة.
- يعزّز صحة الجهاز الهضمي: بفضل احتوائه على الألياف والبكتيريا المفيدة الناتجة عن التخمير الطبيعي.
- يدعم صحة العظام: الزيتون يحتوي على معادن مهمّة، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، التي تساعد في الحفاظ على عظام قوية وصحيّة.
ملاحظة غذائية مهمة:
رغم فوائده، ينبغي تناول الزيتون المكبوس باعتدال، لأنه:
- يحتوي على كمّية عالية من الملح قد تؤثّر على ضغط الدم. كما يُفضَّل غسل الزيتون قبل تناوله لتقليل نسبة الصوديوم.
- غنيّ بالسعرات الحرارية:
5 إلى 8 حبّات من الزيتون الأسود تحتوي على 45 وحدة حرارية.
8 إلى 10 حبّات من الزيتون الأخضر تحتوي على 45 وحدة حرارية.
ملعقة واحدة صغيرة من زيت الزيتون تحتوي على 45 وحدة حرارية.
البندورة وربّ البندورة:
البندورة (الطماطم) من الخضار الأساسيّة في المطبخ اللبناني. تُستخدم طازجة أو تُحوَّل إلى ربّ البندورة كجزء من المونة، لتُستعمل لاحقًا في الطبخ على مدار السنة. يُحضَّر ربّ البندورة بتجفيف عصير البندورة الطازجة تحت الشمس، أو عبر الطبخ حتى يصبح كثيف القوام. أما فوائد البندورة وربّ البندورة الغذائية فهي كالتالي:
- غنيّة بالفيتامينات والمعادن: مثل فيتامين "C" و "A" و "K"، إضافةً إلى البوتاسيوم. وهي ضروريّة لصحّة القلب، البشرة، والمناعة.
- مصدر ممتاز لمضادات الأكسدة: خصوصًا مادة الليكوبين. وهي مضاد أكسدة قوي يُساعد في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، خاصةً سرطان البروستاتا.
- قليلة السعرات وخالية من الدهون: سواء كانت طازجة أو على شكل ربّ، البندورة منخفِضة السعرات الحراريّة وخالية من الدهون، ما يجعلها مناسِبة لأي نظام غذائي.
- تدعم صحّة الجهاز الهضمي: بفضل احتوائها على الألياف الطبيعية التي تساعد في تنظيم حركة الأمعاء.
مقارنة في محتوى الصوديوم:
حبّة بندورة طازجة تحتوي على 4 ميليغرامات من الصوديوم.
ملعقتان من ربّ البندورة تحتويان على 221 ميليغرامًا تقريبًا من الصوديوم.
إذًا كما نلاحظ، ملعقتان من ربّ البندورة تحتويان على كمية صوديوم تعادل أكثر من 50 حبّة بندورة!
نصيحة غذائية: من الأفضل استخدام ربّ البندورة منزليّ الصنع من دون ملح مضاف، أو الانتباه للكميّة المستخدمة في الطبخ، خاصةً لمن يعانون من ضغط الدم المرتفع أو يتبعون نظامًا غذائيًا منخفض الصوديوم.
المربّى:
هو نوع من المونة اللبنانية، يُحضَّر من الفاكهة الموسميّة (مثل التين، المشمش، التوت، السفرجل، إلخ)، التي تُطبخ مع السُّكّر لحفظها لفصل الشتاء. يُعتبر المربّى من الطرق التقليديّة واللذيذة لحفظ الفاكهة، ويُقدَّم عادةً مع الخبز أو كتحلية خفيفة. أما فوائده الغذائيّة فهي كالتالي:
- يحتفظ ببعض فوائد الفاكهة: رغم احتوائه على السكر، يحتفظ المربّى بكمّية جيّدة من الفيتامينات والمعادن الموجودة طبيعيًا في الفاكهة، مثل فيتامين "C" و "A" والألياف.
- مصدر سريع للطاقة: بسبب احتوائه على السّكّر الطبيعي والمضاف، يُعتبر المربّى مصدرًا سريعًا للطاقة، خصوصًا في الصباح أو بعد مجهود بدني.
- خيار طبيعي أفضل من الحلويات الصناعيّة: عندما يُحضَّر المربّى في المنزل بفاكهة موسميّة وسكّر معتدل، يكون خاليًا من المواد الحافظة والملوّنات الصناعيّة.
محتوى السكر في المربّى:
كلّ ملعقتَين كبيرتَين من المربّى المنزليّ تحتويان على 20 إلى 30 غرامًا من السّكّر، حسب كمّية السّكّر المضافة.
كلّ ملعقتَين كبيرتَين من المربّى التجاريّ الجاهز تحتويان على ما قد يصل إلى ما بين 35 و 40 غرامًا من السّكّر.
للمقارنة: كلّ ملعقتَين كبيرتَين من المربّى تحتويان على ما يُعادل تقريبًا 6 إلى 8 ملاعق صغيرة من السّكّر.
ملاحظة غذائيّة مهمّة:
رغم طعمه اللذيذ، يُفضَّل تناول المربّى بكميّات معتدلة، خاصةً لمرضى السكري أو لمن يتبعون نظامًا غذائيًّا قليل السكر. ومن الأفضل تحضيره في البيت بكمّية سكّر أقلّ، أو باستخدام بدائل طبيعيّة كالعسل أو سكّر التّمر.
"المونة اللبنانيّة" ليست مجرّد طريقة لحفظ الطعام، بل هي تعبير عن تراث غنيّ وأسلوب حياة متجذّر في ثقافة المجتمع اللبناني. من الكبيس والزيتون إلى ربّ البندورة والمربّى، تعكس هذه الأطعمة الاعتماد على خيرات الأرض، والتحضير الموسمي، والتغذية الطبيعية. ورغم فوائدها الصحّية والغذائيّة المتعدّدة، من المهمّ تناول أصناف المونة باعتدال، والانتباه إلى كمّيات الملح والسّكّر فيها، خاصةً لمن يعانون من مشكلات صحّية كارتفاع ضغط الدم أو السّكّري.
ومع بعض التعديلات البسيطة في التحضير (مثل تقليل الملح أو السّكّر)، يمكن للمونة أن تبقى جزءًا صحّيًا ولذيذًا من نظامنا الغذائي المعاصر.
في مقالتنا المقبلة، سنتناول أنواعًا أخرى من "المونة اللبنانيّة" مثل الكشك، اللبنة، الزعتر، دبس الرمان، والمواد المجفّفة، لنستكمل رحلتنا في هذا التراث الغذائي الغنيّ.
Instagram: dietcenterleb
LinkedIn: Diet Center Lebanon