عرضت في غاليري كليم بشاره Kalim Bechara Art Gallery مقابل الستاركو أعمال فنية لروبير مسرّه (1944-2012)، "فنان الطبيعة والشوق والروحانية" وهو عنوان الكتاب الذي صدر سنة 2018 ويتضمن ما كتب عنه ولوحات عن أعماله. ليس في لوحات روبير مسرّه مجرد ألوان وبراعة تقنية ورسوم وتعابير، بل الروح في كيانيتها ومسارها اليومي وقلقها وبحثها عن الحب والموت ومعنى الحياة.
ولد روبير مسرّه (1944-2012) في عائلة من ستة أولاد، وُلد فنانًا، يتيم الأم، وهو لم يتجاوز ثلاث سنوات ثم يتيم الأب في عمر ثماني سنوات. ولد وهو يحمل موهبة بدت أولى ظواهرها في السادسة عشرة من عمره ورسم لوحة الأيتام في السابعة عشرة من عمره.
تلاحقه موهبته الواعدة والصعبة وهو يسعى، لتلبية موجبات الحياة اليومية المادية، إلى الهروب منها في أعمال مهنية فرعية، في لبنان ثم في فرنسا، في البيع والشراء والتجارة وفي مواجهة مجتمع وحتى أقرب الأقرباء الذين يصعب عليهم بشريًا إدراك كل ما يتخطى موجبات الحياة اليومية.
كتب Robert Courtois في مجلة Univers des arts، Juillet-août 1998, p. 103، "يبدو روبير مسرّه أنه أكل الشمس في طفولته. مناظرة تدفئنا، حقوله وهضابه تحرقنا بنار يجدّد فينا الحياة وتنعشنا مشاهدة أعماله والتأمل في لوحاته التي هي إصغاء لسمفونية الطبيعة وأنغامها".
***
كتب أحد الزائرين في معرض روبير مسرّه في بيروت سنة 2018: "في لوحاته قلق ولكنها ليست قلقة!" في كل لوحاته الأمل والكون الفسيح والشمس المشرقة والبحر والأفق اللامتناهي. البيوت المتلاصقة التي يرسمها هي تعبير عن عطشه إلى التواصل والأمان النفسي الذي افتقر إليه في طفولته وشبابه. البيوت المتلاصقة للأمان النفسي هي أيضًا متعطشة إلى الأفق الشاسع.
لوحات روبير مسرّه منذ طفولته وطوال أكثر من نصف قرن هي سيرة حياته وسيرة حياة كل انسان في الحياة الواعدة وفراق الأحباء وبهجة الطبيعة وشمس البحر المتوسط والحب والاضطرابات والقلق. تكلّمك لوحاته في كل لحظة. لن تعتاد اطلاقًا عليها أو تملّ لأنها توقظ المشاعر في كل لحظة وتسألك وتجيبك عندما تنظر إليها لأن لحظتها إنسانية أبديّة.
***
الرسام روبير مسرّه معروف من الجمهور اللبناني منذ أوائل معارضه في لبنان في السنوات 1962-1978 في عدة صالات: المركز الثقافي الإيطالي 1971، كارلتون 1965، غاليري One 1970، غاليري Art Promotion Center 1971، غاليري Deco 1974-1975...
لوحات روبير مسرّه معروفة من خلال موسوعات فنية، مثل: مئة سنة من الفن التشكيلي في لبنان، 1880-1980 (غاليري شاهين، 1982، جزءان، الجزء 2، ص 19 ولوحة لروبير مسرّه، رقم 83). نشرت عنه مجلة أجنحة الأرز لشركة طيران الشرق الأوسط، في نيسان - أيار 2011، ثلاث صفحات مع مختارات من لوحاته بعنوان: "مبدعون من لبنان".
في 9/12/1996 منحت الحكومة الفرنسية لروبير مسرّه "الميدالية الفرنسية الفضية للاستحقاق والعطاء" وذلك "للخدمات الاستثنائية للإنسانية في كل مؤلفاته". تُكافئ هذه الميدالية "عمل فنان ينقل إلى معاصريه رؤية مشرقة للعالم"، كما ورد في مجلة Univers des arts. ونال الفنان روبير مسرّه، في 27/4/1997، "الميدالية البرونزية للفن والعلوم والآداب" من "الجمعية الأكاديمية للتربية والتشجيع المجازة من الأكاديمية الفرنسية". أعمال روبير مسرّه مقيّمة في موسوعات عالمية. يجسّد في لوحاته، منذ الخامسة عشرة من عمره، الطبيعة المتوسطية في نورها وألوانها وأنماطها الحياتية وروحانيتها.
برزت موهبة روبير مسرّه منذ الخامسة عشرة من العمر. إنه يُعبّر عن فرحه وأشواقه وتطلعاته في رسوم مُتنوعة تحمل رسالة روحانية راقية. منذ لوحاته الأولى في العام 1960 ولغاية لوحته الأخيرة التي لم ينجزها بعنوان: "الأم وطفلها"يعبّر روبير مسرّه عن سيرة روحية ومعنى ثقيل كاسح ومُتدفق يجعلك ترتعش في كل لحظة يقع فيها نظرك على لوحته. ترتعش عندما تنظر إلى لوحات: يسوع المصلوب، الأيتام، الحصاد، العودة من الحصاد، المنزل في العاصفة، المزارع... في لوحاته: الأيتام، المزارع، اللقاء... تشاهد أيادي ممدودة ومصمّمة... هي عاجزة ومرهقة، ولكنها غير مستقيلة، حيث تصطدم الإرادة الإنسانية بأوضاع قاهرة تتخطى القدرة البشرية.
***
في مقابلة في الأسبوع العربي، مكتب باريس، في 17/7/1985 يقول: "بالرغم من كوني في باريس لا أستطيع أن أنسى بلادي. أنا أفكّر فيها وهي نصب عيني ليل نهار. هذه الحرب علمتني أن أحب بلادي وأن يزداد تعلقي بها. أظن أن هذا دأب كل أترابي ومواطني. في كل معرض أشارك به وفي كل اجتماع أدعى إليه أصّر على أن أقدّم نفسي بأني فنان من لبنان".
وجاء في مقابلة مع مجلة كل العرب، في 17/9/1986: "نسأل روبير مسرّه عما إذا كانت الحرب ألهمت شيئًا من أعماله فيهز رأسه نفيًا ويقول: في الحرب إنني أنتمي إلى الضحايا. في هذه الغاليري الفنان يستقرّ ويستمر في البحث عن وطن الألوان المفقود".
***
تميزت لوحاته طوال حوالى نصف قرن بثلاثة عناصر رئيسة:
- جمالية الألوان وبراعة في استخراج ما توحي به من حالات ومعان.
- روحانية كيانية تعبيرية، حزنًا وفرحًا، حيث في أكثر لوحاته تساؤلات إنسانية ببساطة وعمق.
- تنوع حسب المراحل التاريخية التي مرّ بها في حياته اذ يُمكن التمييز بين أربع مراحل: مرحلة الشباب (1960-1970)، مرحلة الحب والهجرة من بيروت إلى باريس سنة 1978، مرحلة الشوق إلى الجذور وإلى شمس لبنان والمتوسط وطبيعته (1978-2000)، مرحلة الاستقرار النفسي والتوليف.
ضمن هذا التنوع والغنى في التعبير تبرز في كل اللوحات وحدة الأسلوب والنهج والشخصية في ثبات بحثها وبقلق عن الحب.
من النظرة الأولى لإنتاج روبير مسرّه تشعر بقيمة عمله المتدفقة المتفجرة. تناديك لوحاته. كل لوحة وكل لوحاته، منذ أعماله الأولى وهو يكاد يبلغ سنته السادسة عشرة، تسألك وتبلغك الرسالة حتى آخر أعماله سنة وفاته في تشرين الثاني 2012.